سورة الأحزاب - تفسير روائع البيان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الأحزاب)


        


{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)}
[4] أحكام زواج النبي صلى الله عليه وسلم:
التحليل اللفظي:
{أَحْلَلْنَا}: الإحلال معناه الإباحة، يقال: أحللت له الشيء: أي جعلته له حلالاً، وكل شيء أباحه الله فهو حلال، وما حرّمه فهو حرام. قال في (لسان العرب): والحِلّ والحلال والحليل: نقيض الحرام. وأحلّه الله وحلّله.
وقوله تعالى في النَّسيء: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} [التوبة: 37] وهذا لك حلّ أي حلال. وقال ابن عباس عن ماء زمزم: هي حِلّ وبلّ أي حلال محلّل.
{أُجُورَهُنَّ}: مهورهنّ، والمراد في الآية: الأزواج اللواتي تزوجهنّ عليه السلام بصداق، وسمّي المهر أجراً لأنه مقابل الاستمتاع بالمرأة في الظاهر. وأمّا في الحقيقة فهو بذل وعطيّة، لإظهار (خطر المحل) وشرفه، كما قال تعالى: {وَآتُواْ النسآء صدقاتهن نِحْلَةً} [النساء: 4] أي هبة وعطيّة عن طيب نفس. فالمهر تكريم للمرأة، وإيناس لها، وتطييب لخاطرها. وليس هو مقابل المنفعة أو الاستمتاع كما نبّه عليه الفقهاء.
{وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}: يعني الجواري والإماء، لأنهنّ يُتملكْن عن طريق الحرب والجهاد، بالجهد والتضحية، وبذل النفس والمال في سبيل الله، ولذلك أُطلق عليهن (ملك اليمين).
{أَفَآءَ الله}: أي ممّا غنمته منهنّ، وممَّا ردّه الله عليك من الكفار، كصفية وجويرية، فإنه عليه السلام أعتقهما وتزوجهما. وأصل الفيء: الرجوع، وسمّي هذا المال فيئاً لأنه رجع إلى المسلمين من أموال الكفار بدون قتال، فكأنه كان في الأصل للمسلمين فرجع إليهم بدون حرب ولا قتال.
{هَاجَرْنَ مَعَكَ}: المراد بالهجرة هي هجرته عليه السلام إلى المدينة المنورة، والمعية هنا (معك) يراد بها الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة، فمن هاجرت حلّت له سواءً هاجرت في صحبته أو لم تهاجر في صحبته. قال أبو حيان: تقول: دخل فلان معي، وخرج معي. أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان. وإن قلت: فرجعنا معاً اقتضى المعنيان الاشتراك في الفعل. والاشتراك في الزمان.
{يَسْتَنكِحَهَا}: الاستنكاح طلب النكاح، لأن السين والتاء للطلب، مثل اسنتصر طلب النصرة، واستعجل طلب العجلة، والمراد من قوله: (إن أراد النبي) أي إن رغب النبي في نكاحها، فالإرادة هنا بمعنى الرغبة في النكاح.
{خَالِصَةً}: أي خاصة لك لا يشاركك فيها أحد، يقال: هذا الشيء خالصة لك: أي خالص لك خاصة. قال ابن كثير في قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين} أي لا تحل الموهوبة لغيرك. ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، لم تحلّ له حتى يعطيها شيئاً. وكذا قال مجاهد والشعبي.
{مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}: أي ما أوجبنا على المؤمنين من نفقة، ومهر وشهود في العقد، وعدم تحاوز أربع من النساء. وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور.
{حَرَجٌ}: أي ضيق ومضقة، ومعنى قوله تعالى: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أي لكيلا يكون عليك ضيق في دينك.
حيث اختصصناك بما هو أولى وأفضل، وأحللنا لك أجناس المنكوحات توسعة لك، وتيسيراً عليك، لتتفرع لشئون الدعوة والرسالة.
{تُرْجِي}: قال في (لسان العرب): أرجأ الأمر: أخّره، وتركُ الهمزة لغة، يقال: أرجأتُ الأمر وأرجيتُه إذا أخرتَه، والإرجاء: التأخير ومنه سمّيت المرجئة، وهم صنف من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فهم يرون أنهم لم لم يصلّوا ويصوموا لنجّاهم إيمانهم.
قال ابن عباس في معنى الآية: تطلّق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن، لا حرج عليك. وقال مجاهد والضحاك: المعنى تَقْسم لمن شئت، وتؤخر عنك من شئت. وتقلّل لمن شئت، وتكثر لمن شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن أنّ هذا حكم الله وقضاؤه زالت الإحنة والغيرة عنهن، ورضين وقرّت أعينهنّ.
{وتؤوي}: أي تضمّ، يقال أوى وآوى بمعنى واحد قال تعالى: {آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ} [يوسف: 69] أي ضمّه إليه وأنزله معن. وفي حديث البيعة أنه قال للأنصار: «أبايعكم على أن نُؤووني وتنصروني» أي تضموني إليكم وتحوطوني بينكم كذا في (اللسان).
وقال ابن قتيبة: يقال: آويت فلاناً إليّ بمدّ الألف: إذا ضممتَه إليك، وأويت إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم.
قال ابن الجوزي: (وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصاحَبة نسائه كيف شاء، من غير إيجاب والقسمة عليه والتسوية بينهنّ، غير أنه كان يسوّي بينهن).
{تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: أي تطيب نفوسهن بتلك القسمة ومعنى الآية: ذلك التخيير الذي خيّرناك في ضحبتهن، أقرب إلى رضاهنّ وانتفاء حزنهنّ، لأنهنّ إذا علمن أنّ هذا أمر من الله كان ذلك أطيب لأنفسهن، فلا يشعرن بالحزن والألم.
قال أبو السعود: {ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} أي أقرب إلى قرّة عيونهن، ورضاهنّ جميعاً، لأنه حكم كلهنّ فيه سواء، ثمّ إن سوّيت بينههن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجّحت بعضهن علمن أنه بحكم الله فتطمئن به نفوسهن.
{وَكَانَ الله عَلِيماً حَلِيماً}: أي بمالغاً في العلم فيعلم كل ما تبدونه وتخفونهه، حليماً لا يعاجل بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها، فإنه تعالى يمهل ولا يمهل.
المعنى الإجمالي:
أحلّ الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم صنوفاً من النساء، صنفاً يدفع له المهر (المهورات) وصنفاً يتمتع به بملك اليمين (المملوكات)، وصنفاً من أقاربه من نساء قريش، ونساء بني زُهرة (المهاجرات)، وصنفاً رابعاً ينكحه بدون مهر (الواهبات) أنفسهنّ... وقد خص الباري جلّ وعلا رسوله الكريم في أحكام الشريعة بخصائص لم يشاركه فيها أحد، وذلك توسعة عليه، وتيسيراً له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، فتزوجطه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع، واختصاصه بنكاح الواهبات أنفسهن بدون مهر، وعدم وجوب القَسْم عليه بين الأزواج، كل ذلك خاص به صلوات الله عليه تشريفاً له وتكريماص، وإظهاراً لمقامه السامي عند الله تعالى.
روى مسلم في (صحيحه) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنتُ أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحي امرأة أن تهب نفسها لرجل!! حتى أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} فقلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك).
ومعنى الآيات الكريمة: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك الاتي أعطيتهن مهورهن، وأحللنا لك ما مالكت يدك من السبي في الحرب. وأحللنا لك قريباتك من بنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك، اللاتي هاجرن معك، وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات، اللواتي وهبن أنفسهنّ، حباً في الله وفي رسوله، ورغبة في التقرب لك. إن أردت أن تتزوّج من شئت منهن، بدون مهر خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في زوجاتهم ورفيقاتهم من شرائط العقد، ووجوب المهر في غير المملوكات، وأمّا أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيراً لك، لكيلا يكون عليك ضيق أو حرج، ولك- أيها الرسول- أن تترك من زوجاتك من تشاء، وتضم إليك من تشاء، وتقسم لمن تشاء منهن، وان تراجع بعد الطلاق من تريد، ذلك أقرب أن ترتاح قلوبهن لعلمهنّ أنه بأمر الله وترخيصه لك، فيرضَيْن بكل ما تفعل، ويقبَلْن به عن طيب نفس، وكان الله عليماً بما انطوت عليه القلوب، حليماً لا يعاجل بالعقوبة لمن خالف أمره وعصاه.
سبب النزول:
لما نزلت آية التخيير: {يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28]. أشفق نشاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يطلقهنّ فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا في عصمتك فنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} الآية.
لطائف التفسير:
اللطيفة الأولى: الإحلال معناه الإباحة والحلّ، وإسناده إلى الله جل جلاله: {أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك} دال على أن التحليل والتحريم خاص به سبحانه والتشريع لله وحده والرسول صلى الله عليه وسلم مبلّغ عن الله ولا يملك أحد سلطة التشريع {إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40].
اللطيفة الثانية: في وصفه تعالى النساء بقوله: {اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} تنبيه على أن الله عز وجلّ اختار لنبيّه صلى الله عليه وسلم الأفضل والأكمل، فإنّ إيتاء المهر أولى وأفضل من تأخيره، والتعجيل كان سنّة السلف لا يعرف منهم غيره، وقد شكا بعض الصحابه عدم القدرة على لاتزوج، فقال له عليه السلام: (فأين درعك الحطمية؟).
وليس تأخير بعض المهر وتقسيمه إلى (معجّل ومؤجّل) إلا شيء استحدثه العرف، واقتضاه التغالي بالمهور، أو الحذر على مستقبل الفتاة من الطلاق بعد أن فسد حال الناس.
فذكرُ الأجور ليس للقيد أو الشرط وغنما هو لبيان الأفضل.
اللطيفة الثالثة: تخصيص ما ملكت يمينه في قوله تعالى: {مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ} للإشارة إلى أنها أحلّ وأطيب مما تشتري من الجلب. فما سُبي من دار الحرب قيل فيه (سبي طيبة)، وما كان عن طريق العهد قيل (سبي خبيثة) والله تعالى لا يرغب لنبيّه إلا في الطيّب، دون الخبيث. أفاده أبو حيان في (البحر المحيط).
اللطيفة الرابعة: ذُكرَ العم والخال مفرداً، وجُمعَ العمات والخالات في قوله تعالى: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك} قال ابن العربي: والحكمة في ذلك أن العم، والخال في الإطلاق (اسم جنس) كالشاعر، والراجز، وليس كذلك في العمة والخالة، وقد جاء الكلام عليه بغاية البيان، على العرف الذي جرى عليه العرب كما قيل: (قالت بنات العم يا سلمى).
وكقولهم: (إنّ بني عمك فيهم رماح) وهذا دقيق فتأملوه.
اللطيفة الخامسة: العدول عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (إن أراد النبيّ) ثمّ الرجوع إلى الخطاب في قوله (خالصة لك) وذكره صلى الله عليه وسلم في الموضعين بعنوان (النبوّة) للدّلالة على أنّ الاختصاص كان من الله تعالى تكرمةً له لأجل النبوَّة، والتكريرُ للتفخيم من شأنه صلى الله عليه وسلم، وبيان استحقاقه الكرامة لنبوته.
قال الزجّاج: وإنما قال: (إن وهبتْ نفسها للنبيّ) ولم يقل: لك، لأنه لو قال: (لك) جاز أن يتوهّم أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاز في بنات العم وبنات العمات.
وجوه القراءات:
أولاً: قوله تعالى: {وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} قرأ الجمهور: {وامرأةً} بالنصب عطفاً على مفعول (أحلَلْا) و(إنْ وهبت) بكسر الهمزة شرطية، وقرأ أبو حيْوة (وامرأةٌ مؤمنةٌ) بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف أي أحللناها لك.
وقرأ الحسن: {أنْ وهبت} بفتح الهمزة وتقديره: لأن وهبت نفسها للنبيّ.
ثانياً: قرأ نافع وحمزة والكسائي: {تُرجي} بغير همز، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: {تُرْجئ} مهموزاً والمعنى واحد.
ثالثاً: قرأ ابن محيصن، والجوْني {أنْ تُقِرّ} بضم التاء وكسر القاف {أعينَهُن} بنصب النون، وقرأ الجمهور: {أنْ تَقَرّ أعينُهنّ} فالأولى من (أقرّ) الرباعي، والثانية من (قرّ) الثلاثي فتنبه.
رابعاً: قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء} قرأ الجمهور: {يحلّ} بالياء، وقرأ أبو عمرو (تَحلّ) بالتاء.
قال ابن الجوزي: والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، فالقراءتان حسنتان.
وجوه الإعراب:
أولاً: قوله تعالى: {اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} اللاتي: اسم موصول للمؤنث في محل نصب صفة لقوله (أزواجك) و(أجورهنّ) مفعول ثانٍ لآتيت لأنها بمعنى أعطيت، والمفعول الأول محذوف تقديره: آيتتُهنّ.
ثانياً: قوله تعالى: {وامرأة مُّؤْمِنَةً} في نصب (امرأةً) وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً بالعطف على قوله (أزواجَك) والعامل فيه (أحللنا).
والثاني: أن يكون منصوباً بتقدير فعل، وتقديهر: ونُحلّ امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وليس معطوفاً على المنصوب ب (أحللنا) لأن الشرط والجزاء لا يصح في الماضي، ألا ترى انك لو قلت: إن قُمتَ غداً قُمتُ أمسِ، كنت مخطئاً.
قال أبو البركات بن الأنباري: وهذا الوجه أوجه الوجهين.
ثالثاً: قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا} هنا شرطان، والثاني في معنى الحال، والمعنى: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تنكحها، وإذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ، متقدّم في الوقوع ما لم تدلّ قرينه على الترتيب، أفاده أبو حيان.
رابعاً: قوله تعالى: {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} كلُّهُنَّ: مرفوع لأنه توكيد لنون النسوة في (يرضين) وليس توكيداً للضمير في (آتيتهنّ) ومعنى الآية: ويرضين كلّهنّ بما آتيتهن.
الأحكام الشرعية:
الحكم الأول: هل يجوز النكاح بلفظ الإجارة أو الهبة؟
لا خلاف بين الفقهاء على أن عقد النكاح ينعقد باللفظ الصريح. وهو لفظ (النكاح أو الزواج) وبكل لفظ مشتق من هذه الصيغة، إذا لم يقصد به الوعد لقوله تعالى: {فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25] ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» فصيغة النكاح والتزويج وردت في الكتاب والسنة. وهي من الصيغ الصريحة في النكاح.
وقد اتفق الفقهاء أيضاً على أنّ ألفاظ (الإباحة، والإحلال، والإعارة، والرهن والتمتع) لا يجوز بها عقد النكاح. ومثلها لفظ (الإجارة) فلا يجوز به عقد النكاح عند جمهور الفقهاء.
وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز بلفظ الإجارة لقوله تعالى: {اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} وحجته أن الله عز وجل سمّى المهر أجراً. والأجر يجب بعقد يتحقق بلفظ الإجارة، فيصح به النكاح.
الرد على الكرخي:
والجواب: أنّ معنى (الإجارة) يتنافى مع عقد النكاح. إذ النكاح مبني على التأبيد. والتوقيقُ يبطله. وعقد الإجارة مبنيٌ على التوقيت. حتى لو أطلق كان مؤقتاً ويتجدّد ساعة فساعة. فكيف يصح جعل ما هو موضوع على التوقيت دالاً على ما يبطله التوقيت؟
ومن جهة ثانية فإن الإجارة عقد على لامنافع بعوض، والمهر ليس مقابل العوض. بل هو عطية أوجبها الله تعالى إظهاراً لخطر المحل. ولذلك يصحّ النكاح مع عدم ذكر المهر. ويجب مهر المثل بالدخول. ولا يصح النكاح بلفظ الإجازة حتى لا يلتبس الأمر بعقد المتعة الباطل. ولهذا لم يوافق أحد من فقهاء الحنفية الكرخيَّ فيما ذهب إليه.
أما النكاح بلفظ الهبة فقد أجازه الحنفية. ومنعه جمهور الفقهاء.
أدلة الحنفية:
استدل الحنفية على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة بما يلي:
أ- قوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا} ووجه الاستدلال أنّ الله عز وجل وسمّى العقد بلفظ الهبة نكاحاً فقال: (أن يستنكحها) فدلّ على جواز النكاح بلفظ الهبة، وإذا جاز هذا للنبي صلى الله عليه وسلم فقد جاز لنا أيضاً لأننا أمرنا باتباعه والإقتداء به.
ب- وقالوا أيضاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأمتَّه في عقد النكاح بلفظ (الهبة) سواء. وخصوصيتُه التي أشارت إليها الآية الكريمة: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين} إنما هي في جواز النكاح بدون مهر بدليل قوله تعالى في آخر الآية: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} وذلك يشير إلى أنّ الخصوصية دفعت حرجاً، والحرجُ إنما يكون في إلزام المهر؛ لأنه يلزمه مشقة السعي في تحصيل المال، وهو عليه السلام مشغول بشؤون الرسالة، وليس ثمة حرج أن يكون العقد بلفظ النكاح أو التزويج فتكون الخصوصية له عليه السلام في النكاح بدون مهر.
ح- وقالوا: مما يؤيد هذا ما روي عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي صلى الله عليه وسلم وتقول: (ألا تستحيي أن تعرض نفسها بغير صداق)!! فلما نزل قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ...} [إلى قوله] {فَلاَ جُنَاحَ} قالت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد تقدّم الحديث.
د- واستدلوا بحديث سهل بن سعد: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: جئت لأهب نفسي لك.. وفيه فقام رجل من الصحابة فقال يا رسول الله: إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجْنيها، وذكر الحديث إلى قوله: إذهب فقد مَلّكتكها بما معك من القرآن».
ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك. والهبة من ألفاظ التمليك. فوجب أن يجوز بها عقد النكاح. فلكُّ ما كان من ألفاظ (الإباحة) لم ينعقد به عقد النكاح قياساً على المتعة، وكلُّ ما كان من ألفاظ (التمليك) ينعقد به عقد النكاح قياساً على سائر عقود التمليكات.
حجة الجمهور:
واستدل الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) على عدم جواز النكاح بلفظ الهبة بما يأتي:
أ- أنّ الله تعالى خصّ رسوله بهذه الخصوصية، وهي جواز النكاح بلفظ الهبة بدون مهر فقال جل ثناؤه: {وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين}.
فقوله تعالى: {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} وقوله: {خَالِصَةً لَّكَ} دليل على أنّ إحلال المرأة عن طريق الهبة إنما كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {مِن دُونِ المؤمنين} فالخصوصية له عليه السلام كانت بالهبة (لفظاً ومعنى) لأنّ اللفظ تابع للمعنى.
ب- وقالوا: ما كان من خصوصياته عليه السلام، فلا يجوز أن يشاركه فيها أحد.
والآية دلت على أن هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم أي أن النكاح بدون مهر، وبلفظ الهبة معاً، من خصائصه عليه السلام، فمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة مع إيجاب المهر؟
ج- وأما استدلال الحنفية بحديث (سهل بن سعد) أن النبي عليه السلام زوّج الصحابي بلفظ التمليك بقوله: «اذهب فقد ملّكتُكها بما معك من القرآن» فليس فيه ما يدل لهم، فقد جاء في بعض الروايات: «اذهب فقد زوّجتُكها» وليس كل ما يدل على التمليك ينعقد به النكاح. فلفظ الإجارة يدل على التمليك ومع ذلك لا ينعقد به النكاح باتفاق.
الترجيح: أقول: أدلة الحنفية كما بسطها الإمام (الجصاص) وإن كانت قوّية، إلاّ أنّ النصّ ورد بالخصوصية للرسول عليه السلام في (نكاح الهبة) والظاهر أنّ المراد منه (اللفظ والمعنى)، وحمله على لامعنى دون اللفظ يحتاج إلى دليل. وصيَغُ النكاح لا يجري فيها القياس، فما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح كما قال الإمام مالك رحمه الله: إنّ الهبة لا تحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت هبة نكاح، والله أعلم.
الحكم الثاني: هل الهجرة شرط في النكاح؟
ظاهر الآية الكريمة يدل على أنّ من لم تهاجر معه من النساء لا يحلّ له نكاحها لقوله تعالى: {اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ} الآية وإلى هذا الظاهر ذهب بعض العلماء، قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحلّ له نكاحها، قالت أم هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم نزلت هذه الآية: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك} إلى قول: {اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلم أكن لأحلّ له، لأني لم أهاجر معه، كنتُ من الطّلقاء.
وجمهور المفسرين على أن الهجرة ليست بقيد ولا شرط، وإنما هي لبيان الأفضل. كما في قوله تعالى: {اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} فالآية ذكرت الأصناف التي يباح للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوج منها، وبيّن ما هو أفضل له وأكمل، فكما أنّ ذكر (الأجور) ليس للقيد وإنما هو لبيان الأفضل فكذا هنا.
قال أبو حيّان: (والتخصيص باللاتي هاجرن معك، لأنّ من هاجر معه من قرابته غير المحارم أفضل من غير المهاجرات، وقيل: شرط الهجرة في التحليل منسوخ).
وحكى المارودي في ذلك قولين: أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق.
والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات.
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسّرين أن تقييد القريبات بكونهنّ مهاجرات لبيان الأكمل والأفضل.
الحكم الثالث: هل كان عند النبي امرأة موهوبة؟
ذهب أكثر العلماء إلى أن الهبة وقعت من كثير من النساء، وقد وردت روايات كثيرة منها القوي ومنها الضعيف في أسماء الواهبات أنفسهنّ، منهنّ (أم شريك) و(خولة بنت حكيم) و(ليلى بنت الخطيم) ولكن لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منهنّ أحد، وقيل (ميمونة بنت الحارث) و(زينب بنت خزيمة) كذلك من الواهبات أنفسهنّ والصحيح هو الأول.
قال أبو بكر ابن العربي: (وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة).
قال ابن كثير: اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما قال البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ} قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك.
الحكم الرابع: هل كان القسم واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقسم بينهن بالعدل ويقول: «اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك» يريد بقوله (ما لا أملك) ميل القلب نحو بعض نسائه كعائشة رضي الله عنها.
واستدلوا بأنّ القسم كان واجباً عليه بأنه عليه السلام كان يستأذن بعض نسائه فيقول: أتأذنّ لي أن أبيت عند فلانه، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة.
وذهب أكثر العلماء على أن هذه الآية الكريمة نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معاشرة من شاء من نسائه دون أن يكون القسم عليه واجباً، ومع ذلك فقد كان يعدل بينهنّ ويسوّي في القسمة.
قال الجصاص: وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان مخيراً في القسم لمن يشاء، وترك من شاء منهن.
وقال ابن كثير: وذهب طائفة من العلماء من الشافعية وغيرهم، إلى أنه لم يكن القسم واجباً عليه صلى الله عليه وسلم، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، وقال البخاري عن معاذ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأذننا في يوم المرأة منا، بعد أن نزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت كنت أقول: إن كان ذلك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً. والصحيح أن القسم لم يكن واجباً عليه وهو اختيار الجمهور.
شبهة والردُّ عليها:
لقد درج أعداء الإسلام منذ القديم، على التشكيك في نبي الإسلام، والطعن في رسالته والنيل من كرامته، ينتحلون الأكاذيب والأباطيل، ليشككوا المؤمنين في دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، ولا عجب أن نسمع مثل هذا البهتان والافتراء والتضليل في حق الأنبياء والمرسلين، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاص.
وصدق الله حيث يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان: 31] وقبل أن نتحدث عن (أمهات المؤمنين الطاهرات)، وحكمة الزواج بهن نحب أن نردّ على شبهة سقيمة، طالما أثارها كثير من الأعداء، من الصليبيين، الحاقدين، والغربيّين المتعصبين.
ردّدوها كثيراً ليفسدوا بها العقائد، ويطمسوا بها الحقائق. ولينالوا من صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله، صلوات الله عليه.
إنهم يقولون: لقد كان محمد رجلاً شهوانياً، يسير وراء شهواته وملذاته، ويمشي مع هواه، لم يكتف بزوجةٍ واحدة أو بأربع، كما أوجب على أبتاعه، بل عدّد الزوجات فتزوّج عشر نسوةٍ أو يزيد، سيراً مع الشهوة، وميلاً مع الهوى! كما يقولون أيضاً: فرقٌ كبير وعظيم بين عيسى وبين محمد، فرقٌ بين من يغالب هواه، ويجاهد نفسه كعيسى بن مريم، وبين من يسير مع هواه، ويجري وراء شهواته كمحمد {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5].
حقاً إنهم لحاقدون كاذبون، فما كان محمد عليه الصلاة والسلام، رجلاً شهوانياً، إنما كان نبياً إنسانياً، تزوّج كما يتزوّج البشر، ليكون قدوة لهم في سلوك الطريق السويّ، وليس هو إلهاً، ولا ابن إله- كما يعتقد النصارى في نبيّهم- إنما هو بشر مثلهم، فضّله الله عليهم بالوحي، والرسالة {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ...} [الكهف: 110].
ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه بدعاً من الرسل، حتى يخاف سنتهم، أو ينقض طربقتهم، فالرسل الكرام قد حكى القرآن الكريم عنهم بقول الله جلّ وعلا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً...} [الرعد: 38].
فعلام إذاً يثيرون هذه الزوابع الهوج في حقّ خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام؟
ولكن كما يقول القائل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم
وصدق الله حيث يقول: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46]
ردُّ الشبهة:
هناك نقطتان جوهريتان، تدفعان الشبهة عن النبي الكريم، وتلقمان الحجر لكل مقتر أثيم، يجب ألاّ يغفل عنهما، وأن نضعهما نَصْبَ أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين، وعن حكمة تعدّد زوجاته الطاهرات، رضوان الله عليهن أجمعين.
هاتان النقطتان هما:
أولاً: لم يعدّد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم زوجاته إلا بعد بلوغه سنَّ الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين.
ثاناً: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات (أرامل) ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي في حالة الصبا والبكارة.
ومن هاتين النقطتين ندرك- بكل بساطة- تفاهة هذه التهمة، وبطلان ذلك الادعاء، الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون.
فلو كان المراد من الزواج الجريَ وراء الشهوة، أو السيرَ مع الهوى، أو مجرد الاستمتاع بالنساء، لتزوّج في سنّ (الشباب) لا في سنّ (الشيخوخة) ولتزوج (الأبكار الشابات)، لا (الأرامل المسنّات)، وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: «هل تزوجت؟ قال: نعم، بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، فقال له صلوات الله عليه: فهلاَّ بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك»؟
فالرسول الكريم أشار عليه بتزوج البكر، وهو عليه السلام يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار. ويتزوج في سن الشيخوخة، ويترك سنّ الصّبا، إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟!
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهجهم وأرواحهم، ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن شاء من الفتيات الأبكار الجميلات، فلماذا لم يعدّد الزوجات في مقتبل العمر، وريعان الشباب، ولماذا ترك الزواج بالأبكار، وتزوّج الثيبات؟
إنّ هذا- بلا شك- يدفع كل تقوّل وافتراء، ويدحض كل شبهة وبهتان. ويردّ على كل آفّاك أثيم، يريد أن ينال من قدسية الرسول، أو يشوّه سمعته فما كان زواج الرسول بقصد (الهوى) أو (الشهوة) وإنما كان لحكم جليلة، وغايات نبيلة، وأهداف سامية، سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها، إذا ما تركوا التعصب الأعمى، وحكّموا منطق العقل والوجدان. وسوف يجدون في هذا الزواج (المثل الأعلى) في الإنسان الفاضل الكريم، والرسول النبي الرحيم، الذي يضحّي براحته في سبيل مصلحة غيره، وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام.
حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم:
إن الحكمة من تعدّد زوجات الرسول كثيرة ومتشعبة، ويمكننا أن نجملها فيما يلي:
أولاً: الحكمة التعليمية.
ثانياً: الحكمة التشريعية.
ثالثاً: الحكمة الاجتماعية.
رابعاً: الحكمة السياسة.
ولنتحدث باختصار عن كلٍ من هذه الحِكَم الأربع، ثم نعقبها بالحديث عن أمهات المؤمنين الطاهرات، وحكمة الزواج بكل واحدة منهن استقلالاً فنقول ومن الله نستمد العون.
أولاً: الحكمة التعليمية:
لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصيف المجتمع، وقد فُرِضَ عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال.
وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن، كأحكام الحيض، والنفاس، والجنابة، والأمور الزوجية، وغيرها من الأحكام، وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل.
كما كان من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم الحياء الكامل، وكان- كما تروي كتب السنّة- أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فما كان عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يجيب عن كل سؤالٍ يعرض المرأة عن طريق (الكناية) مراده عليه السلام.
تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فعلّمها صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثمّ قال لها: خذي فرصة ممسّكةً (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهّري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهّري بها، قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ فقال لها: سبحان الله تطهّري بها!.
قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها، فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم، وصرحت لها بالمكان الذي تضعها فيه.
فكان صلوات الله عليه يستحيي من مثل هذا التصريح، وهكذا كان القليل أيضاً من النساء من تستيطع أن تتغلّب على نفسها، وعلى حيائها، فتجاهر النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عمّا يقع لها.
نأخذ مثلاً لذلك حديث (أم سلمة) المرويّ في (الصحيحين) وفيه تقول: جاءت أم سُلَيْم (زوج أبي طلحة) إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غُسْل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا رأت الماء.
فقالت أم سلمة: لقد فضحتِ النساء، ويحك أو تحتلم المرأة؟ فأجابها النبي الكريم بقوله: إذاً فبم يشببها الولد؟
مراده عليه السلام أن الجنين يتولد من ماء الرجل، وماءِ المرأة، ولهذا يأتي له شبه بأمه، وهذا كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2].
قال ابن كثير رحمه الله: أمشاج: أي أخلاط. والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماءَ الرجل، وماء المرأة، إذا اجتمعا واختلطا....
وهكذا مِثْلُ هذه الأسئلة المحرجة، كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاتُه الطاهرات. ولهذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (رحم الله نساء الأنصار، ما منعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).
وكانت المرأة منهن تأتي إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خيرَ معلّمات وموجهات لهن، وعن طريقهن تفقّه النساء في دين الله.
ثمّ إنه من المعلوم أنّ السنّة المطهّرة ليست قاصرة على قول النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هي تشمل قوله.
وفعله، وتقريره، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فمن ينقل لنا أخبارَه وأفعالَه عليه السلام في المنزل غيرُ هؤلاء النسوة اللواتي أكرمهن الله فكنّ أمهات للمؤمنين، وزوجاتٍ لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة؟!
لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره، وأفعاله المنزلية عليه السلام أفضل الصلاة والتسليم.
ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلّمات ومحدثات نقلن هدية عليه السلام. واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء.
ونتحدث الآن عن (الحكمة التشريعية) التي هي جزء من حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة، وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، ونضرب لذلك مثلاً (بدعة التبني) التي كا ن يفعلها العرب قبل الإسلام، فقد كانت ديناً متوارثاً عندهم، يتبنّى أحدهم ولداً ليس من صلبه، ويجعله في حكم الولد الصلبي، ويتخذه ابناً حقيقياً له حكم الأبناء من النسب، في جميع الأحوال: في الميراث، والطلاق، والزواج، ومحرمات المصاهرة، ومحرمات النكاح، إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه وكان ديناً تقليدياً متبعاً في الجاهلية.
كان الواحد منهم يتبنَّى ولد غيره فيقول له: (أنت ابني، أرثك وترثني) وما كان الإسلام ليقرّهم على باطل، ولا ليتركهم يتخبّطون في ظلمات الجهالة، فمهّد لذلك بأن ألهم رسوله عليه السلام أن يتبنّى أحد الأبناء- وكان ذلك قبل البعثة النبوية- فتبنّى النبي الكريم (زيد بن حارثه) وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك اليوم (زيد بن محمد).
روى البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إنّ زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنّا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} [الأحزاب: 5] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت زيد بن حارثه بن شراحبيل».
وقد زوّجه عليه السلام بابنة عمته (زينب بنت جحش الأسدية) وقد عاشت معه مدةً من الزمن، ولكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما، فكانت تغلظ له القول، وترى أنها أشرفُ منه، لأنه كان عبداً مملوكاً قبل أن يتبناه الرسول، وهي ذات حسبٍ ونسب.
ولحكمة: يريدها الله تعالى طلّق زيد زينب، فأمر الله رسوله أن يتزوجها ليبطل (بدعة التبني) ويقيم أسس الإسلام، ويأتي على الجاهلية من قواعدها. ولكنه عليه السلام كان يخشى من ألسنة المنافقين والفجّار، أن يتكلموا فيه ويقولوا: تزوّج محمد امرأة ابنه، فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله عليه السلام، وفي قوله جلّ وعلا:
{وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً}
[الأحزاب: 37].
وهكذا انتهى حكم التبني، وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية. وكانت ديناً تقليدياً لا محيد عنه، ونزل قوله تعالى مؤكداً هذا التشريع الإلهي الجديد: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].
وقد كان هذا الزواج بأمرٍ من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول بعض الأفّاكين المرجفين من اعداء الله، وكان لغرضٍ نبيل، وغاية شريفة هي إبطال عادات الجاهلية، وقد صرّح الله عز وجل بغرض هذا الزواج بقوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً...} [الأحزاب: 37].
وقد تولى الله عزّ وجل تزويج نبيه الكريم بزينب، امرأة ولده من التبني ولهذا كانت تفخر على نساء النبي بهذا الزواج الذي قضى به رب العزّة من فوق سبع سماواته.
روى البخاري: يسنده أن (زينب) رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكُنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات.
وهكذا كان هذا الزواج للتشريع، وكان بأمر الحكيم العليم، فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والأفهام وصدق الله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85].
ثالثاً: الحكمة الاجتماعية:
أما الحكمة الثالثة فهي (الحكمة الاجتماعية) وهذه تظهر بوضوح في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بابنة الصّديق الأكبر (أبي بكر) رضي الله عنه وزيره الأول، ثمّ بابنة وزيره الثاني الفاروق (عمر) رضي الله عنه وأرضاه، ثمّ باتصاله عليه السلام بقريش اتصال مصاهرة ونسب. وتزوجه العديد منهن، ممّا ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق، وجعل القلوب تلتف حوله، وتلتقي حول دعوته في إيمان، وإكبار، وإجلال.
لقد تزوّج النبي صلوات الله عليه بالسيدة (عائشة) بنتِ أحبّ الناس إليه، وأعظمهم قدراً لديه، ألاوهو أبو بكر الصدّيق، الذي كان أسبق الناس إلى الإسلام، وقدّم نفسه وروحه وماله، في سبيل نصرة دين الله، والذود عن رسوله، وتحمّل ضروب الأذى في سبيل الإسلام، حتى قال عليه السلام- كما في الترمذي- مُشيداً بفضل أبي بكر: ما لأحد عندنا يدٌ وقد كافيناه بها، ما خلا أبا بكر، فإنّ له عندنا يداً يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر. وما عرضت الإسلام على أحدٍ إلاّ كانت له كبوة (أي تردد وتلكؤ) إلا أبا بكر فإنه لم يتعلثم، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، أإلا وإنّ صاحبكم خليل الله تعالى.
فلم يجد الرسول صلى الله عله وسلم مكافأة لأبي بكر في ادلنيا، أعظم من أن يُقرَّ عينه بهذا الزواج بابنته، ويصبح بينهما (مصاهرة) وقرابة، تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق.
كما تزوج صلوات الله عليه بالسيدة (حفصة بنت عمر) فكان ذلك قرّة عين لأبيها عمر على إسلامه، وصدقه، وإخلاصه، وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام، الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين، فكان اتصاله عليه السلام به عن طريق المصاهرة، خيّرَ مكافأة له على ما قدّم في سبيل الإسلام، وقد ساوى صلى الله عليه وسلم بينه وبين وزيره الأول أبي بكر في تشريفه بهذه المصاهرة، فكان زواجه بابنتيهما أعظم شرفٍ لهما، بل أعظم مكافأة ومنّة، ولم يكن بالإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الشرف، فما أجلّ سياسته؟ وما أعظم وفاءه للأوفياء المخلصين!.
كما يقابُل ذلكَ اكرامَه لعثمان وعلي رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته، وهؤلاء الأربع هم أعظم أصحابه، وخلفاؤه من بعده في نشر ملته، وإقامة دعوته، فما أجلّها من حكمة، وما أكرمها من نظرة؟
رابعاً: الحكمة السياسية:
لقد تزود النبي صلى الله عليه وسلم ببعض النسوة، من أجل تأليف القلوب عليه، وجمع القبائل حوله، فمن المعلوم أنّ الإنسان إذا تزوج من قبيلة، أو عشيرة، يصبح بينه وبينهم قرابة و(مصاهرة) وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضّح لنا الحكمة، التي هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج.
أولاً: تتزوّج صلوات الله عليه بالسيدة (جويرية بنت الحارث) سيّد بني المصطلق، وكانت قد أُسِرت مع قومها وعشيرتها، ثمّ بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت ذلك فتزوجها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيدينا؟ (أي أنهم في الأسر) فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم، فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو، وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعاً، ودخلوا في دين الله، وأصبحوا من المؤمنين.
فكان زواجه صلى الله عليه وسلم بها بركة عليها وعلى قومها وعشيرتها، لأنه كان سبباً لإسلامهم وعتقهم، وكانت (جويرية) أيمن امرأة على قومها.
أخرج البخاري في (صحيحه): عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَ بني المصطلق، فأخرج الخُمُس منه ثمّ قسمه بين الناس، فأعطى الفرس سهمين، والرجل سهماً، فوقعت (جويرية بنت الحارث) في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيّدِ قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمتَ، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق، فأعنّي على فَكَاكي، فقال عليه السلام: «أو خير من ذلك؟» فقالت: ما هو؟ فقال: «أوْدي عنك كتابَتاَك وأتزوجُك». فقالت: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله: «قد فعلت».
وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله يُسْترقّون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقُهم مائةً بيت، بتزوجه عليه السلام بنتَ سيدِ قومه.
ثانياً:- وكذلك تزوجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة (صفية بنت حُيّي بن أخطب) التي أسرت بعد قتل زوجها في (غزوة خيبر) ووقعت في سهم بعض المسلمين فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيّدة بني قريظة، لا تصلح إلاّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا الأمر على الرسول الكريم، فدعاها وخيّرها بين أمرين:
أ- إمّا أن يعتقها ويتزوجها عليه السلام فتكون زوجة له.
ب- وأمّا أن يُطْلِقَ سراحها فتلحق بأهلها.
فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، وذلك لما رأته من جلالة قدره، وعظمته وحسن معاملته، وقد اسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس، روي أن (صفية) رضي الله عنها لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لم يزل أبوك من أشدّ اليهود لي عداوة حتى قتله الله، فقالت يا رسول الله: إن الله يقول في كتابه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164].
فقال لها الرسول الكريم: اختاري، فإن اخترَت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك، فقالت يا رسول الله: لقد هويتُ الإسلام، وصدقتُ بك قبل أن تدعوني إلى رَحْلك، ومالي في اليهودية أرَب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيّرتني الكفرَ والإسلامَ، فاللَّهُ ورسولُه احبّ إليّ من العَتْق، وأن أرجع إلى قومي، فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه.
ثالثاً: وكذلك تزوجه عليه الصلاة والسلام بالسيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) الذي كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك، وألدّ الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلمت ابنته في مكة، ثمّ هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فراراَ بدينها، وهناك مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة، لا معين لها ولا أنيس، فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى (النجاشي) ملكِ الحبشة ليزوجه أيّاها، فأبلغها النجاشي ذلك فسُرّت سروراً لا يعرف مقدراه إلا الله سبحانه، لأنها لو رجعت إلى أبيها أو أهلها لأجبروها على الكفر والردَّة، أو عدبّوها عذاباً شديداً، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسه، ولما عادت إلى المدينة المنورة تزوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام.
ولما بلغ (أبا سفيان) الخبرُ أقرَ ذلك الزواج وقال: (هوالفحل لا يُقدع أنفُه) فافتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له، إلى أن هداه الله تعالى للإسلام.
ومن هنا تظهر لنا الحكمة الجليلة في تزوجه عليه السلام بابنة أبي سفيان فقد كان هذا الزواج سبباً لتخفيف الأذى عنه وعن أصحابه المسلمين، سيّما بعد أن أصبح بينهما نسب وقرابة، مع أن أبا سفيان كان وقت ذاك من ألدّ بني أمية خصومة لرسول الله، ومن أشدّهم عداء له وللمسلمين، فكان تزوجه بابنته سبباً لتأليف قلبه وقلب قومه وعشيرته، كما أنه صلى الله عليه وسلم اختارها لنفسه تكريماً لها على إيمانها لأنها خرجت من ديارها فارة بدينها، فما أكرمها من سياسة، وما أجلها من حكمة؟
أمهات المؤمنين الطاهرات:
بعد أن تحدثنا عن حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم نتحدث الآن عن (أمهات المؤمنين) الطاهرات رضوان الله تعالى عليهن.
فقد اختارهنّ الله لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأكرمهن بهذا الشرف العظيم، شرف الانتساب إلى سيِّد المرسلين، واختارهن من صفوة النساء، وجعلهنَّ أمهات المؤمنين، في وجوب الاحترام والتعظيم، وفي حرمة الزواج بهن حتى بعد وفاته عليه السلام تكريماً لرسوله فقال وهو أصدق القائلين: {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...} [الأحزاب: 6].
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} [الأحزاب: 53].
قال العلامة القرطبي: في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) ما نصه: شرّف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم، بأن جعلهن أمهات للمؤمنين، أي في وجوب التعظيم، والمبرّة، والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، فكان ذلك تكريماً لرسوله، وتشريفاً لهن.
أسماء أمهات المؤمنين:
وأمهات المؤمنين اللواتي تزوجهن الرسول الكريم هنَّ كالآتي:
أولاً: السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
ثانياً: السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها.
ثالثاً: السيدة عائشة بنت أبي بكر الصّديق رضي الله عنها.
رابعاً: السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها.
خامساً: السيدة زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها.
سادساً: السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.
سابعاً: السيدة أم سلمة (هند بنت أبي أمية المخزومية) رضي الله عنها.
ثامناً: السيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) رضي الله عنها.
تاسعاً: السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها.
عاشراً: السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.
وأخيراً: السيدة صفية بنت حُيّي بن أخطب رضي الله عنها.
1- السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها:
هي أول أزواجه عليه السلام. تزوجها الرسول الكريم قبل البعثة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ثيِّب (أرملة) بنت أربعين سنة، وقد كانت عند (أبي هالة) ابن زرارة أولاً، ثمّ خلف عليها بعد أبي هالة (عتيق بن عائذ) ثم خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في (الإصابة).
وقد اختارها صلوات الله عليه لسداد رأيها، ووفرة ذكائها، وكان زواجه بها زواجاً حكيماً موفقاً، لأنه كان زواج العقل للعقل، ولم يكن فارق السن بينهما بالأمر الذي يقف عقبة في طريق الزواج، لأنه لم يكن الغرض منه قضاءَ (الوطر والشهوة) وإنما كان هدفاً إنسانياً سامياً، فمحمد رسول الله قد هيأه الله لحمل الرسالة، وتحمل أعباء الدعوة، وقد يسّر الله تعالى له هذه المرأة التقيّة النقيّة، العاقلة الذكية، لتعينه على المضي في تبليغ الدعوة، ونشر الرسالة، وهي أول من آمن به من النساء.
ومما يشهد لقوة عقلها، وسداد رأيها، أن الرسول عليه السلام حين جاءه جبريل وهو في غار حراء رجع إلى زوجه يرجف فؤاده، فدخل عليها وهو يقول: «زَمِّلوني زَمِّلوني»، حتى ذهب عنه الروع، فحدّث خديجة بالخبر وقال لها: لقد خشيتُ على نفسي، فقالت له: (أبشر، كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدُق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). والحديث في (الصحيحين).
قضى الرسول مع خديجة زهرة شبابه، فلم يتزوج عليها، ولا أحبّ أحداً مثل حبه لها، وكانت السيدة عائشة تغار منها مع أنها لم تجتمع معها ولم ترها، حتى تجرأت مرة عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم لها فقالت: وهل كانت إلا عجوزاً في غابر الأزمان، قد أبدلك الله خيراً منها؟ تعني نفسها فغضب صلى الله عليه وسلم من هذه الكلمة وقال لها: «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» قالت: فلم اذكرها بسوءٍ بعده أبداً.
وروى الشيخان عنها أنها قالت: ما غرْتُ على أحدٍ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما عرتُ على خديجة، وما رأيتها قطَ، ولكن النبي يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد».
عاشت مع الرسول خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة قبل البعثة، وعشراً بعدها، ولم يتزوج الرسول الكريم امرأة عليها، ورُزِق منها جميع أولاده ما عدا إبراهيم. وحين انتقلت إلى رحمة الله راضية مرضية كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ الخمسين من العمر، وليس عنده سواها، فلم يعدّد زوجاته إلا بعد وفاتها، لبعض تلك الحكم التي ذكرناها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
2- السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها:
تزوجها عليه السلام بعد وفاة خديجة. وهي أرملة (السكران بن عمرو الأنصاري)، والحكمة في اختيارها مع أنها أكبر سناً من رسول الله، أنها كانت من المؤمنات المهاجرات، توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، فأصبحت فريدة وحيدة، لا معيل لها ولا معين، ولو عادت إلى أهلها- بعد وفاة زوجها- لأكرهوها على الشرك، أو عذّبوها عذاباً نكراً ليفتنوها عن الإسلام، فاختار صلى الله عليه وسلم كفالتها فتزوجها، وهذا هو منتهى الإحسان والتكريم لها على صدق إيمانها وإخلاصها لله ولرسوله.
ولو كان غرض الرسول الشهوة- كما زعم المستشرقون الأفاكون- لاستعاض عنها- وهي الأرملة المسنَّة التي بلغت من العمر الخامسة والخمسين- بالنواهد الأبكار، ولكنه عليه السلام كان المثل الأعلى في الشهامة، والنجدة، والمروءة، ولم يكن غرضه إلا حمايتها ورعايتها، لتبقى تحت كفالته عليه أفضل الصلاة والتسليم.
3- عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها:
تزوجها عليه السلام وكانت بكراً، وهي البكر الوحيدة من بين نسائه الطاهرات فلم يتزوج بكراً غيرها، وكانت عائشة أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من أكثر الرجال، فقد كان كثير من كبار علماء الصحابة، يسألونها عن بعض الأحكام التي تشكل عليهم فتحلُّها لهم.
روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (ما أشكل علينا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قطُّ، فسألنا عائشة إلاّ وجدنا عندها منه علماً).
وقال أبو الضحى عن مسروق: (رأيت مشيخة أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض).
وقال عروة بن الزبير: (ما رأيتُ امرأة أعلم بطب، ولا فقه، ولا شعر من عائشة).
ولا عجب فهذه كتب الحديث تشهد بعلمها الغزير، وعقلها الكبير، فلم يَرْو في الصحيح أحد من الرجال أكثر مما روي عنه إلا شخصان هما: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وكان عليه السلام يحب عائشة أكثر من بقية نسائه وكان يعدل بينهن في القسمة ويقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تؤخذني فيما لا أملك.
ولما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة فقال لها: إني ذاكر لك أمراً فلا تَعْجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه فقرأ عليها: {يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: 28] الآية، فقالت: أوفي هذا استأمر أبوي!! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
ولقد كانت مصاهرة الرسول للصّديق أبي بكر، أعظم منّة ومكافأة له في هذه الحياة الدنيا، كما كان خير وسيلة لنشر سنته المطهّرة، وفضائله الزوجية، وأحكام شريعته، ولا سيما ما يتعلق منها بالنساء كما بينا عند ذكر الحكمة التعليمية.
4- السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها:
تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي أرملة، وكان زوجها (خنيس بن حذافَة) الأنصاري قد استشهد في غزوة بدر، بعد أن أبلى بلاءً حسناً، فقد كان من الشجعان الأبطال، الذين سجّل لهم التاريخ أنصع الصفحات في البطولة والرجولة، والجهاد.
وقد عرضها أبوها (عمر) رضي الله عنه على عثمان بعد وفاة زوجته (رقية) بنت الرسول، ثم تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ذلك أعظم إكرام ومنّة وإحسان لأبيها عمر بن الخطاب.
أخرج الإمام البخاري عن عبد الله به عمر رضي الله عنهما: أنّ عمر حين تأيمت حفصة من (خنيس بن حذافة)- وكان شهد بدراً وتوفي بالمدينة- لقي عثمان فقال: إن شئت أنكحتك حفصة؟ قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي لا أتزوج، قال عمر: فقلت لأبي بكر إن شئتَ أنكحتك حفصة، فصمتَ، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبث ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئاً؟ قلت: نعم، قال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلاّ أني علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها. «فلم أكن لأفشي سرّه، ولو تركها لقبلتها».
أقول: هذه لعَمْرُ الحق هي الشهامة الحقة، بل هذه هي الرجولة الصادقة، تظهر في فعل الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه فهو يريد أن يصون عرضه، فلا يرى في نفسه غضاضة أن يعرض ابنته على الكفء الصالح، لأنّ الزواج خير وسيلة للمجتمع الفاضل، فأين نحن اليوم من جهل المسلمين بأحكام الإسلام وجماله الناصع؟ يتركون بناتهم عوانس حتى يأتي الخاطب، ذو المال الكثير، والثراء الوفير؟!
5- السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها:
تزوجها عليه السلام بعد حفصة بنت عمر، وهي أرملة البطل المقدام شهيد الإسلام (عبيدة بن الحارث) بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، الذي استشهد في أول المبارزة في غزوة بدر، وقد كانت حين استشهاد زوجها تقوم بواجبها في إسعاف الجرحى، وتضميد جراحهم، لم يشغلها استشهاد زوجها عن القيام بواجبها، حتى كتب الله النصر للمؤمنين في أول معركة خاضوها مع المشركين. ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بصبرها وثباتها وجهادها وأنه لم يعد هناك من يعولها خطبها لنفسه وآواها، وجبر خاطرها بعد أن انقطع عنها الناصر والمعين.
يقول فضيلة الشيخ (محمد محمود الصواف) في رسالته القيمة (زوجات النبي الطاهرات) بعد أن ذكر قصة استشهاد زوجها وما فيها من سموّ وعظمة: (وكانت قد بلغت الستين من عمرها حينما تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تعمّر عند النبي الكريم سوى عامين، ثم توفاها الله إليه راضية مرضية. فما رأي الخراصين بهذا الزواج الشريف، وغايته النبيلة؟ وهل يجدون فيه شيئاً مما يأفك الأفّاكون؟
أيجدون فيه أثراً للهوى والشهوة؟ أم هو النبل، والعفاف، والعظمة والرحمة، والفضل، والإحسان، من رسول الإنسانية الأكبر، الذي جاء رحمة للعالمين.
فليتق الله المستشرقون المغرضون، وليؤدوا أمانة العلم ولا يخونوها في سبيل غايات خبيثة استشرقوا ودرسوا العلوم الإسلامية خاصة للدس، والكيد، والنيل من سيد الأنسانية محمد عليه السلام).
6- السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:
تزوجها عليه السلام وهي ثيب وهي ابنة عمته، وكان قد تزوجها (زيد بن حارثة) ثمّ طلّقها فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج أحدٍ من أزواجه، وهي إبطال (بدعة التبني) كما مرّ معنا عند ذكر الحكمة التشريعية.
وهنا يحلو لبعض المغرضين، الحاقدين على الإسلام وعلى نبي الإسلام، من المستشرقين الماكرين، وأذنابهم المارقين، أن يتخذوا من قصة تزوج الرسول الكريم بزينب منفذاً للطعن في النبي الطاهر الزكيّ، ويلِّفقوا الشبه والأباطيل، بسبب بعض الروايات الإسرائيلية، التي ذكرت في بعض كتب التفسير.
فقد زعموا- وبئسما زعموا- أن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ ببيت زيد وهو غائب، فرأى زينب فأحبها ووقعت في قلبه، فقال: سبحان مقلّب القلوب، فسمعت زينب ذلك فلما جاء زوجها أخبرته بما سمعت من الرسول، فعلم أنها وقعت في نفسه، فأتى الرسول يريد طلاقها فقال له: أمْسك عليك وفي قلبه غير ذلك. فطلّقها زيد من أجل أن يتزوج بها الرسول.
يقول ابن العربي رحمه الله في تفسيره (أحكام القرآن) رداً على هذه الدعوى الأثيمة: فأمّا قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذٍ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، قد وهبته نفسها، فكيف يتجدّد له هوى لم يكن، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله له: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] وقد تعقَّب- عليه رحمة الله- تلك الروايات الإسرائيلية وبيّن أنها كلها ساقطة الأسانيد.
إن نظرة بسيطة إلى تاريخ (زينب) وظروفها في زواج (زيد) تجعلنا نؤمن بأنّ سوء العشرة التي كانت بين زيد وزينب إنما جاءت من اختلافهما اختلافاً بيناً في الحالة الاجتماعية، فزينب شريفة، وزيد كان بالأمس عبداً وقد أراد الله امتحانها بزواج زيد لتحطيم مبدأ (العصبيَّة القبليَّة) والشرف الجاهلي، وجعل الإسلام الشرف في (الدين والتقوى) فحين عرض الرسول على (زينب) الزواج من (زيد) امتنعت واستنكفت اعتزازاً بنسبها وشرفها فنزل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36].
فخضعت زينب لأمر الرسول، وأسلمت لزيد جسدها دون روحها فكان من وراء ذلك الألم والضيق.
ومحمد صلى الله عليه وسلم كان يعرف زينب من الصغر، لأنها ابنة عمته فمن كان يمنعها منه؟ وكيف يقدّم إنسان امرأة لشخص وهي (بكر) حتى إذا تزوجها وصارت (ثيباً) رغب فيها؟!
حقاً إنهم قوم لا يعقلون، فهم يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون على الرسول كذباً وزوراً، وبهتاناً وضلالاً، ثم انظر إليهم وهم يقولون: إنّ الذي أخفاه محمد هو حبه لزينب ولهذا عوتب، فهل يعقل مثل هذا البهتان؟ وهل يعاتب الشخص لأنه لم يجاهر بحبه لامرأة جاره؟ {سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
ثمّ إن الآية صريحة كلّ الصراحة، وواضحة كل الوضوح، في هذا الشأن، فقد ذكرت الآية الكريمة أنّ الله سيظهر ما أخفاه الرسول: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37] فماذا أظهر الله تعالى؟ هل أظهر حبّ الرسول أو عشقه لزينب؟ كلا ثم كلا، إنما الذي أظهره هو رغبته عليه السلام في تنفيذ أمر الله بالزواج بها لإبطال (حكم التبني)، ولكنه كان يخشى من ألسنة المنافقين أن يقولوا: تزوج محمد حليلة ابنه، ولهذا صرّح الباري جلّ وعلا بهذا الذي أخفاه الرسول: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ...} [الأحزاب: 37]. وهكذا تبطل مزاعم المفترين أمام الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، التي تدل على عصمة سيِّد المرسلين، وعلى نزاهته وطهارته مما ألصقه به الدسّاسون المغرضون.
7- السيدة هند أم سلمة المخزومية رضي الله عنها:
تزوج الرسول الكريم بأم سلمة وهي أرملة (عبد الله بن عبد الأسد) وكان زوجها من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكانت زوجته معه خرجت فراراً بدينها، وولدت له (سلمة) في أثناء ذلك، واستشهد زوجها في غزوة أحد، فبقيت هي وأيتامها الأربعة بلا كفيل ولا معيل، فلم ير عليه السلام عزاءً ولا كافلاً لها ولأولادها غير أن يتزوج بها. ولما خطبها لنفسه اعتذرت إليه، وقالت: إني مسنّة، وإني أم أيتام، وإني شديدة الغيرة.
فأجابها عليه السلام وأرسل لها يقول: أما الأيتام فأضمهم إليّ، وأدعو الله أن يذهب عن قلبك الغيرة، ولم يعبأ بالسنّ، فتزوجها عليه السلام بعد موافقتها، وقام على تربية أيتامها، ووسعهم قلبه الكبير، حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب، إذ عوّضهم أباً أرحم من أبيهم صلوات الله وسلامه عليه.
وقد اجتمع لأم المؤمنين النسب الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، على أنّ لها فضيلة أخرى هي (جودة الرأي) ويكفينا دليلاً على ذلك استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لها في أهم ما حزَنه وأهمّه من أمر المسلمين، وما أشارت به عليه، وذلك في (صلح الحديبية) فقد تأثر المسلمون بالغ التأثر من ذلك الصلح مع المشركين، على ترك الحرب عشر سنين بالشروط التي قدَّموها، ورأوا في ذلك هضماً لحقوقهم، مع أنهم كانوا ف يأوج عظمتهم، وكان من أثر هذا الاستياء، أنهم تباطئوا عن تنفيذ أمر الرسول حين أمرهم بالحلق أو التقصير لأجل العودة إلى المدينة المنورة، فلم يمتثل أمره أحد، فدخل الرسول على زوجه (أم سلمة) وقال لها هلك الناس، أمرتُهم فلم يمتثلوا فهوّنت عليه الأمر، وأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويحلق رأسه أمامهم، وجزمت بأنهم لا يتردّدون حينذاك عن الاقتداء به.
لأنهم يعلمون أنه صار أمراً مبرماص لا مرد له، وكذلك كان، فما أن خرج الرسول وأمر الحلاق بحلق رأسه، حتى تسابقوا إلى الاقتداء به صلوات الله عليه فحلقوا وتحلّلوا وكان ذلك بإشارة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.
8- السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها:
وفي سنة سبع من الهجرة تزوج الرسول الكريم بالسيدة (أم حبيبة) رضي الله عنها وهي أرملة (عبيد الله بن جحش) مات زوجها بأرض الحبشة، فزَّوجها النجاشي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة، وقد تقدمت الحكمة من تزوج الرسول الكريم بها فيما سبق.
9- 10- السيدة جويرية بنت الحارث والسيدة صفية بنت حيي رضي الله عنهما:
وتزوج الرسول الكريم بالسيدة (جويرية بنت الحارث بن ضرار) سيَّد بني المصطلق، وهي أرملة (مُسَافع بن صفوان) الذي قتل يوم المريسيع، وترك هذه المراة فوقعت في الأسر بيد المسلمين، وكان زوجها من ألدّ أعداء الإسلام وأكثرهم خصومة للرسول، وقد تقدم معنا الحكمة من تزوج الرسول الكريم بها، كما تقدم الحديث عن (صفية بنت حُيّي بن أخطب) عند الكلام على الحكمة السياسية.
11- السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:
كان اسمها برّه فسمّاها عليه السلام (ميمونة) وهي آخر أزواجه صلوات الله عليه، وقد قالت فيها عائشة: أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم، وهي أرملة (أبي رهم بن عبد العزى) وقد ورد أن العباس رضي الله عنه هو الذي رغّبه فيها، ولا يخفى ما زواجه بها من البر وحسن الصلة وإكرام عشيرتها الذين آزروا الرسول ونصروه.
خاتمة البحث:
وبعد:
فهذه لمحة عن أمهات المؤمنين، زوجات الرسول الطاهرات، اللواتي أكرمهن الله بصحبة رسوله، وجعلهن أمهات للمؤمنين، وخاطبهن بقوله جل وعلا:
{يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [الأحزاب: 32] وقد كان زواج الرسول بهنَّ لحكم كثيرة، راعى فيها الرسول مصلحة الدين والتشريع، وقصد تأليف القلوب، فجذب إليه كبار القبائل، وكرام العشائر.
وجميع زوجات الرسول (أرامل) ما عدا السيدة عائشة، وقد عدّد الرسول زوجاته بعد الهجرة في السنة التي بدأت فيها الحروب بين المسلمين والمشركين، وكثر فيها القتل والقتال، وهي من السنة الثانية للهجرة إلى السنة الثامنة التي تمّ فيها النصر للمسلمين، وفي كل زواج ظهر لنا الدليل الساطع على نبل الرسول، وشهامته، وسموّ غرضه، وجميل إحسانه، خلافاً لما يقوله الأفّاكون الدسّاسون فلو كان للهوى سلطان على قلب النبي لتزوج في حال الشباب، رؤية ضياء الحق الساطع، وصدق الله: {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18].


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)}
[5] من آداب الوليمة:
التحليل اللفظي:
{يُؤْذَنَ لَكُمْ}: أي تُدْعوا إلى تناول الطعام، والأصل أن يتعدى ب (في) تقول: أذنت لك في الدخول، ولا تقول أذنت لك إلى الدخول، ولكنّ اللفظ لما ضُمّن معنى (الدعوة) عُدّي ب (إلى) بدل (في) ومعنى الآية: لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ إذا دعيتم إلى تناول الطعام.
قال الزمخشري: (إلا أن يُؤذن) في معنى الظرف تقديره: وقت أن يُؤذن لكم.
{ناظرين إِنَاهُ}: أي متظرين نصجه، قال في اللسان: وإنى الشيء: بلوغُه وإدراكه، وفي التنزيل: {غَيْرَ ناظرين إِنَاهُ} أي غير منتظرين نضجه وإدراكه وبلوغه، تقول: أنى يأني إذا نضِج إنىً أي نضجاً، والإنى بكسر الهمزة والقصر: النضجُ. فهو على هذا مصدر مضاف إلى الضمير.
ويرى بعض المفسّرين أنه ظرف بمعنى (حين) وهو مقلوب (آن) بمعنى (حان) فعلى الأول يكون المعنى: غير منتظرين نضجه، وعلى الثاني يكون المعنى: غير منتظرين وقته أي وقت إدراكه ونضجه، وهما متقاربان.
{فانتشروا}: أي اخرجوا وفترقوا، يقال انتشر القوم: أي تفرقوا ومنه قوله تعالى:
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] أي تفرقوا في الأرض لطلب الرزق والكسب.
{مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ}: معنى الاستئناس: طلب الأنس بالحديث لأن السين والتاء للطلب تقول استأنَسَ بالحديث: أي طلب الأنس والطمأنينة والسرور به. وتقول: ما بالدار أنيس، أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليّك، وقد كان من عادة الناس أنهم يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلاً، ويأنسون بحديث بعضهم بعضاً فعلّمهم الله الأدب، وهو أن يتفرقوا بعد تناول الطعام، ولا يثقلوا على أهل البيت، لأن المكث بعده فيه نوع من الإثقال.
{إِنَّ ذلكم}: اسم الإشارة راجع إلى الدخول بغير إذن، والمكث عقب الطعام للاستئناس بالحديث، وقيل: هو راجع إلى الأخير خاصة، ومعنى الآية: إن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي.
{فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ}: أي يستحي من إخراجكم من بيته، والله لا يستحي من بيان الحق فهو على حذف مضاف.
{متاعا}: المتاع: الغرض والحاجة كالماعون وغيره، وهو في اللغة: ما يستمتع به حسياً كان كالثوب والقدر والماعون، أو معنوياً كمعرفة الأحكام الشرعية والسؤال عنها، وقد يأتي المتاع بمعنى التمتع بالشيء والانتفاع به كما قال تعالى: {وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور} [الحديد: 20] وفي الحديث الشريف: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة».
{حِجَابٍ}: أي ساتر يستره عن النظر، قال في (اللسان): حجبَ الشيءَ يحجبُه أي ستره، وقد احتجب وتحجّب إذا اكتنّ من وراء حجاب، وامرأة محجوبة قد سترت بستر، والحجاب: اسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين فهو حجاب. قال تعالى: {بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5].
ومعنى الآية: إذا سألتموهن شيئاً مما يستمتع به وينتفع فاسألوهن من وراء ستر وحجاب.
{أَطْهَرُ}: أي أسلم وأنقى، أفعل تفضيل من الطهارة بمعنى النزاهة والنقاء، والمعنى: سؤالكم للنساء من وراء حجاب أكثر نقاءً وتنزيهاً لقلوبكم وقلوبهن من الهواجس والخواطر التي تتولد فيها عند اختلاط الرجال بالنساء، وأبعد عن الريبة وسوء الظنّ.
المعنى الإجمالي:
أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يتأدبوا بالآداب الإسلامية الكريمة، ويتمسكوا بما شرعه لهم من التوجيهات والإرشادات الحكيمة، التي بها صلاح دينهم ودنياهم وخاصة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمقام النبوّة لا يعادله مقام، وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم- سواء كان بالقول أو الفعل- منأعظم الكبائر عند الله، وقد ألزمنا الله سبحانه بتلك الآداب الفاضلة، وأمرنا بالتمسك بها، حتى يتحقق المجتمع الفاضل الذي ينشده الإسلام، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أمرين هامين:
الأول: الأدب في أمر الطعام والاستئذان ودخول البيوت (أدب الوليمة).
الثاني: الأدب في مخاطبة النساء، وعدم الاختلاط بهن أو الخلوة أدب (الحجاب الشرعي).
يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اي أيها المؤمنون لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد الإذن، ولا تترقبوا أوقات الطعام فتدخلوا عليه فيها، أو تنتظروا أن يحين وقت نضج الطعام فتستأذنوا عليه في الدخول، إلا إذا كنتم مدعوَّين إلى وليمة قد أعدّها لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك إذا دعيتم وطعمتم فاخرجوا وتفرقوا ولا تثقلوا على الرسول الكريم بالجلوس بعد الطعام، فإن حياءه يمنعه أنيأمركم بالانصراف، أو يظهر لكم الامتعاض من جلوسكم في بيته، فهو ذو الخلق الرفيع، والقلب الرحيم، لا يصدر منه إلا ما يسرّكم، فلا يليق بكم أن تثقلوا عليه، أو تؤذوه في نفسه أو أهله، وإذا أردتم حاجةً من أزواجه الطاهرات، فاسألوهن من وراء حاجز وحجاب، لأن ذلك أزكى لقلوبكم وقلوبهن، وأنفى للريبة، وأبعد عن التهمة، وأطهر لبيت النبوة.
ولا يليق بكم أيها المؤمنون أن تؤذوا رسولكم، الذي هداكم الله به وأخرجكم من الظلمات إلى النور، فهو كالوالد لكم، وأزواجه كالأمهات لكم، وهل يصح لمؤمن أن يتزوج أمه؟ فلا تؤذوه في حياته ولا بعد مماته، ولا تتزوجوا بأزواجه من بعده أبداً، فإن إيذاء الرسول، ونكاح أزواجه من بعد وفاته، ذنب عظيم عند الله لا يغفره الله لكم أبداً، وهو عند الله بالغ الذنب والعقوبة.
سبب النزول:
تعرضت الآية الكريمة لأمرين هامين هما (آداب الدعوة) و(مشروعية الحجاب) ولكل منهما سبب نزول.
أما الأول: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله فصنعت (أم سليم) أمي حَيْساً فجعلته في تَوْر وقالت يا أنس إذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت به إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول لك: إن هاذ منا قليل يا رسول الله!!
قال: فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت له: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم قال: إذهب فادع لي فلاناً وفلاناً، ومن لقيتَ وسمَّى رجالاً، فدعوت من سَمَّى ومن لقيتُ، قيل لأنس: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس هات التور، قال فدخلوا حتى امتلأت الصُفَّة والحجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه، فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي يا أنس: ارفع، فما أدري حين وضعتكان أكثر أم حين رفعت؟ وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وزوجُه موليَّة وجهها إلى الحائط فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على نسائه ثم رجع فلما، رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه فابتَدرُوا الباب وخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحُجْرة فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليّ وأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها على الناس.
ثانياً: وأما بالنسبة لمشروعية الحجاب فقد كان سبب النزول ما روي في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} الآية. وهذه إحدى الموافقات الثلاثة التي نزل القرآن الكريم فيها موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزل: {واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وفي الحجاب فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكُنَّ أن يُبْدِلَه أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك).
وقد ذكرت روايات أخرى في أسباب النزول ولكنها كما قال ابن العربي كلُّها ضعيفة واهية ما عدا الذي ذكرنا.
لطائف التفسير:
اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {بُيُوتَ النبي} إضافة البيوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف، مثل: {نَاقَةَ الله} [الشمس: 13] و(بيت الله) الإضافة فيها للتكريم والتشريف فلبيوت النبي صلى الله عليه وسلم من الحرمة ما ليس لغيرها من البيوت، وهذه الأحكام ملذكورة هنا خاصة ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم تكريماً له عليه السلام وتشريفاً.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ} في الكلام باء محذوفة تسمّى (باء المصاحبة) أي إلاّ بأن يؤذن لكم. وتضمين (الإذن) معنى (الدعوة) للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة وإن وجد صريح الإذن بالدخول، حتى لا يكون الإنسان (طفيلياً) يحضر الوليمة بدون سابق دعوة.
وممّا يدل على هذا التضمين قوله تعالى بعدها: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا} فإنها صريحة في أن المرا د بالإذن (الدعوة) فتنبه لهذا السّر فإنه دقيق.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} قال الإمام الرازي: فيه لطيفة وهي أن في العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير أذن: لا تدخلها إلاّ بإذن، يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلاً ولا بالدعاء، فقال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين سامعين، إذا قيل لكم: لا تدخلوا فلا تدخلوا، وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا. وهذا معنى لطيف.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} فيه إشارة لطيفة أن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق، فالأمر أمر وليمة وقد انتهت، ولم يبق إلاّ أن يفرغ أهل البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك فيه نوع من الأثقال غير محمود.
قال بعض العلماء: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وقرأها بعضهم فقال: (هذا أدب من الله تعالى أدَّب به الثقلاء) ويروى عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: (حسبُك في الثقلاء أنّ الشرع لم يحتملهم).
وأنشد بعض الفضلاء:
وثقيلٍ أشدّ من ثِقَل المو *** ت ومن شدّة العذابِ الأليم
لو عصت ربَّها الجحيمُ لما كا *** ن سواهُ عقوبةً للجحيم
وقال آخر:
ربّما يثقُل الجليس ولو كا *** ن خفيفاً في كِفّة الميزان
ولقد قلتُ حين وتّد في البيـ *** ـتِ ثقيل أربى على سهلان
كيف لم تحمل الأمانة أرضٌ *** حملت فوقها أبا سفيان؟!
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق} الاستحياء لا يكون من الذات، وإنما يكون من الأفعال، بدليل قوله تعالى: {والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق} ولم يقل: والله لا يستحيي منكم والكلام فيه حذف تقديره: فيستحيي من إخراجكم أو من أمركم بالانصراف والله لا يستحيي من بيان الحق، وأطلق استحياء الله وأراد منه عدم السكوت عن بيانه، فسمّي السكوت عليه استحياءً على (طريق المشاكلة) لوقوعه بجانب استحياء الرسول على حد قول القائل:
قالوا اقترحْ شيئاً نُجد لك طبخه *** قلتُ اطبخوا لي جُبّة وقميصاً
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} فيه إشارة دقيقة إلى ما بين العين والقلب من صلة وثيقة، فالعين طريق الهوى والنظرة بريد الشهوة، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، وكما قال بعض الأدباء:
وما الحبّ إلاّ نظرة إثر نظرةٍ *** تزيد نمواً إن تزدْه لَجَاجاً
فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر.
اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} الإشارة في قوله: {ذلكم} يعود إلى ما ذُكر من إيذائه عليه الصلاة والسلام، ونكاح أزواجه من بعده، وقد جاء التعبير بلفظ: {ذلكم} ولم يأت بلفظ (هذا) للتهويل والتعظيم.
قال أبو السعود: وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشرّ والفساد. وقوله: {كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} أي أمراً عظيماً، وخطباً هائلاً، لا يُقادر قدرُه، وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيجاب حرمته حيّاً وميتاً ما لا يخفى، ولذلك بالغ تعالى في الوعيد.
وجوه القراءات:
أولاً: قرأ الجمهور: {غيرَ ناظرين} بفتح راء (غيرَ) نصباً على الحال، وقرأ (ابن أبي عبلة) بالكسر صفة لطعام، قال الزمخشري وليس بالوجه لأنه جرى على غير من هوَ له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، قال أبو حيان: وحذف هذا الضمير جائز عند الكوفيّين إذا لم يلبس.
ثانياً: قرأ الجمهور (إناه) مفرداً، وقرأ الأعمش (إناءه) بمدّة بعد النون، وعلى الأول يكون المعنى: غير ناظرين نضجه، وعلى الثاني يكون المعنى غير ناظرين وقته أو حِينه والله أعلم.
وجوه الإعراب:
أولاً: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ} الآية.
الاستثناء هنا استثناء مفرّع من عموم الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلاّ حال كونكم مصحوبين بالإذن لكم، وتكون (باء المصاحبة) مقدرة في الكلام.
وذهب الزمخشري: إلى عدم تقدير الباء، وإلى أن الاستثناء مفرغ من عموم الأوقات، والمعنى: لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلاّ وقت الإذن.
وقد ردّ (أبو حيان) هذا فقال: وهذا ليس بصحيح، وقد نصوا على أنّ (أنْ) المصدرية لا تكون في معنى الظرف، تقول: أجيئك صياح الديك، وقدوم الحاج، ولا يجوز أجيئك أن يصيح الديك، ولا أن يقدم الحاج.
والمسألة خلافية في خلافيات النحاة: والأشهر أنه لا يجوز، وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال، فتقول: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا.
ثانياً: قوله تعالى: {غَيْرَ ناظرين إِنَاهُ} الآية.
غيرَ، منصوب على الحال من الواو في {تَدْخُلُواْ} وإن أُجري وصفاً لطعامٍ {غَيْرَ ناظرين} على القراءة الثانية وجب إبراز الضمير، فكان ينبغي أن يقال: إلى طعامٍ غير ناظرين إناه أنتم، وقد بينا ما فيه عند ذكر وجوه القراءات.
ثالثاً: قوله تعالى: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} الآية.
{مُسْتَأْنِسِينَ} عطف على {غَيْرَ ناظرين} و(لا) لتأكيد النفي، وجوّز بعض المفسّرين أن تكون (لا) بمعنى غير معطوفة على غير ناظرين إناه ويصبح المعنى: غير ناظرين إناه، وغير مستأنسين لحديث.
ويرى البعض أن {مُسْتَأْنِسِينَ} حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، واللام في قوله (لحديث) لام التعليل أي لأجل استماع الحديث، أو هي لام التقوية.
رابعاً: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله} الآية.
أنْ وما بعدها في تأويل مصدر اسم كان، والتقدير: وما كان لكم إيذاء رسول الله، وكذلك قوله تعالى: {وَلاَ أَن تنكحوا} لأنه عطف عليه، أفاده ابن الأنباري.
خامساً: قوله تعالى: {إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} اسم الإشارة اسم (إنَّ) وجملة: {كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} خبرها والله أعلم.
الأحكام الشرعية:
الحكم الأول: هل يجوز تناول الطعام بدون دعوة؟
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز دخول البيوت إلا بإذن. ولا يجوز تناول طعام الإنسان إلا بإذن صريح أو ضمني، لقوله عليه السلام: «لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفسه».
وقد دلت الآية الكريمة على حرمة دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد الإذن، وعلى حرمة (التطفل) وهو أن يحضر إلى الوليمة بدون دعوة، وفاعله يسمى ب (الطفيلي)، والحكم عام في جميع البيوت، فلا يجوز لإنسان أن يدخل بيت أحد بدون إذنه، ولا أن يتناول الطعام بدون رضى صاحبه، وهذا أدب رفيع من الآداب الاجتماعية التي أرشد إليها الإسلام.
قال ابن عباس: كان ناس يتحيَّنون طعامه عليه الصلاة والسلام، فيدخلون عليه قبل الطعام، وينتظرون إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت هذه الآية.
وقال ابن كثير رحمه الله: (حظر الله تعالى على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى لهذه الأمة، ومعنى الآية: أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ، حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإنّ هذا مما يكرهه الله ويذمه.. ثمّ قال: وهذا دليل على تحريم التطفل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن).
الحكم الثاني: هل الجلوس بعد تناول طعام الوليمة حرام؟
دلّ قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} على ضرورة الخروج بعد تناول الطعام، وهذا من الآداب الإسلامية التي أدّب الله بها المؤمنين، فالمكث والجلوس بعد تناول الطعام ليس بحرام، ولكنّه مخالف لآداب الإسلام، لما فيه من الإثقال على أهل المنزل سيما إذا كانت الدار ليس فيها سوى بيت واحد، اللهمَّ إلا إذا كان الجلوس بإذن صاحب الدار أو أمره، أو كان جلوساً يسيراً تعارفه الناس، لا يصل إلى حدّ الإثقال المذموم.
ومع ذلك فالأفضل الخروج، ولهذا جاء التعبير بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب {فانتشروا}.
فالمكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ولم يبق إلا أن يفرغ أهل البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك نوع من الإثقال غير محمود، يتنافى مع الأدب الرفيع، والذوق السليم.
الحكم الثالث: هل الأمر بالحجاب خاص بأزواج النبي أم هو عام؟
الآيات الكريمة وردت في شأن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، تعظيماً لرسول الله، وتكريماً لشأنه، ولكنّ الأحكام التي فيها عامّة تعمُّ جميع المؤمنين، لأنها آداب اجتماعية، وإرشادات إلهية، يستوي فيها جميع الناس، فالأمر بعدم الاختلاط بالنساء، وبسؤالهن من وراء حجاب، ليس قاصراً على أزواج الرسول، ولكنه عام يشمل جميع نساء المؤمنين، فإذا كان نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز الاختلاط بهن، ولا النظر إليهن، مع أنهن (أمهات المؤمنين) يحرم الزواج بهن، ولا يجوزسؤالهن إلا من وراء حجاب، فلا شكَّ أن الاختلاط بغيرهن من النساء، أو التحدث إليهن بدون حجاب، يكون حراماً من باب أولى، لأن الفتنة بالنساء متحققة.
ثمّ إنّ أمر الحجاب ليس خاصاً بأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو عام لجميع نساء المؤمنين، بدليل قوله تعالى في آخر السورة: {يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59].
فهل خرجت مؤمنة من هذا الخطاب؟ وهل أمر الحجاب خاص بنساء الرسول حتى يزعم بعض المضِلّين، أن الحجاب مفروض على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء؟!
وسنتحدث بالتفصيل إن شاء الله عن هذا الموضوع عند بحث (الحجاب الشرعي) ونبيّن تلك المزاعم الواهية التي احتج بها بعض المتحللين، ونبطلها بالحجج الدامغة، فارجع إليها هناك واله يتولاّك.
الحكم الرابع: هل الطعام المقدّم للضيف على وجه التمليك أم الإباحة؟
أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} إلى أنّ الطعام الذي يقدّم للضيف لا يكون على وجه التمليك، وإنما هو على وجه الإباحة، فلو أراد الضيف أن يحمل معه الطعام إلى بيته لا يجوز له ذلك لأن المضيف إنما أباح له الأكل فقط دون التملك له أو أخذه أو إعطائه لأحد.
قال العلامة القرطبي: في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه لأنه تعالى قال: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه سواه، وبقي الملك على أصله.
الحكم الخامس: هل زال النكاح عن أمهات المؤمنين بموت النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال القرطبي: ف يتفسيره (الجامع لأحكام القرآن): اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، هل بقين أزواجاً أم زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟
فقيل: عليهن العدة، لأنه تُوفي عنهن، والعدة عبادة.
وقيل: لا عدة عليهن، لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة.
قال: والقول الثاني هو الصحيح لقوله عليه السلام: «ما تركتُ بعد نفقة عيالي» وروي (أهلي) وهذا اسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه، وحرمن على غيره، وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام بمنزلة المغيب في حق غيره، لكونهن أزواجاً له في الآخرة قطعاً، بخلاف سائر الناس، لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة، والآخر في النار، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق، وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: «كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع، إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة».
فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكَلْبيّة وغيرها، فهل كان حيل لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف، والصحيح جواز ذلك، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها (عكرمة بن أبي جهل) على ما تقدم، وقيل: إن الذي تزوجها (الأشعث بن قيس الكندي).
قال القاضي أبو الطيب: الذي تزوجها (مهاجر بن أبي أمية) ولم ينكر ذلك أحد، فدلّ على أنه إجماع.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة:
1- النهي عن دخول بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم بغير إذن، وبدون سابق دعوة.
2- لا ينبغي الحضور قبل نضج الطعام، ولا المكث بعد تناول اطعام الوليمة.
3- وجوب احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وأمتثال أوامره وتقديم طاعته على كل شيء.
4- حرمة إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالأقوال أو الأفعال، والتأدب معه في جميع الأحوال.
5- حرمة نكاح أمهات المؤمنين من بعد وفاته لأنهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6- خلق الرسول الرفيع يمنعه من أمر الناس بالخروج من منزلة فينبغي عدم الإثقال عليه.
7- نساء الرسول صلى الله عليه وسلم هنّ القدوة والأسوة الحسنة لسائر النساء فينبغي مخاطبتهن من وراء حجاب.
8- في عدم الاختلاط بالنساء صفاء النفس، وسلامة القلب، ونقاء السريرة، والبعد عن مظان التهم.
9- الآداب التي أرشد إليها القرآن ينبغي التمسك بها وتطبيقها تطبيقاً كاملاً.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع:
حرّم الله تعالى على المؤمنين دخول بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم بدون إذن، تكريماً لرسول الله عليه السلام وتعظيماً لشأنه، ومنع الناس من الإثقال على رسول الله صلى الله عليه وسلم سواءً بالدخول إلى بيوته دون سابق دعوة، أو المكث فيه بعد تناول طعام الوليمة لأن في ذلك إثقالاً على الرسول الكريم، وإيذاءً له، والتطفلُ والإثقال على أهل الدار ليس من أوصاف المؤمنين، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، وكان- كما تقول السيدة عائشة- أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، ولم يكن من خلقة الكريم أن يجابه أحداً بما يكره، مهما أصابه الأذى والضرر، ولا من عادته أن يأمر الزائر بالانصراف مهما طال المكث والبقاء، لأنّ هذا لا يتفق مع خُلُق الداعية، فكيف بخلق النبوة وأوصاف سيد المرسلين!!
{وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]
وان بعض الناس- ممن لم تتهذب أخلاقهم بعد- يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ويقعدون إلى أن ينضج، ثم يأكلون ولا يخرجون.. فكان الناس بحاجة إلى أن يتعلموا الآداب الرفيعة، وأن يكون عندهم (ذوق اجتماعي) وشعور رقيق، يمنعهم عن ارتكاب النقائض، وفعل ما يخل بالمروءة، لذلك أنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمة تعلمياً للأمة وإرشاداً لها إلى سلوك الطريق القويم، وقد قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدبٌ أدّب الله به الثقلاء.
وقال آخر: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وحسبُكَ من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ولقد كان هناك من بعض المنافقين إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالفعل أو القول، حتى قال رجل من المنافقين حين تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة: ما بال محمد يتزوج نساءنا!! والله لو قد مات لأجلنا السّهام على نسائه، يريد اقتسمناهن بالقرعة، فنزلت الآية في هذا، فحرّم الله نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم الأمهات تطييباً لخاطره الشريف وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام أب للمؤمنين، وهل يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وهي أُمّه بنصّ القرآن الكريم!! وصدق الله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أزواجه مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً}.


{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)}
[6] الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
التحليل اللفظي:
{يُصَلُّونَ}: الصلاة في اللغة معناها: الدعاء والاستغفار، ومنه قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] أي أدع لهم بالمغفرة والرحمة قال الأعشى:
عليكِ مثلَ الذي صلّيتِ فاغتمضي *** نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعاً
مضجعاً: أي لك من الدعاء مثل ما دعوتِ لي به.
وسميت الصلاة المفروضة صلاة لما فيها من الدعاء والاستغفار، وتأتي الصلاة بمعنى الرحمة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى»، قال الأزهري: هي بمعنى الرحمة، أي ارحم آل أبي أوفى، وقال الشاعر:
صلّى على عزّة الرحمن وابنتِها *** ليلى وصلّى على جاراتها الأخر
قال ابن عباس: أراد أنّ الله تعالى يرحمه، والملائكة يدعون له ويبرّكون.
وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاتهم دعاؤهم له.
{النبي}: قال الجوهري: والنبي: المخبر عن الله عز وجلّ، لأنه أنبأ عنه وجمعه أنبياء، وفي النهاية: يجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه.
قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلاّ ويقول تنبّأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرّية والبريّة، إلا أهل مكة فإنهم يهمزون هذه الأحرف، ثم قال: والهمز في (النبيّ) لغة رديئة، واشتقاقه من نبأ وأنبأ أي أخبر.
وجمع النبيء: أنْبِئَاء ونُبَآء.
قال ابن مرداس:
يا خاتم النّبَآء إنّك مرسلٌ *** بالخبر كلّ هُدى السبيل هُداكا
إنّ الألاه ثَنَى عليك محبةً *** في خلقِهِ ومحمّداً أسماكا
أقول: كل ما ورد في القرآن من خطاب للنبي أو الرسول فإنما يقصد به محمد عليه الصلاة والسلام، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
{يُؤْذُونَ الله}: إيذاء اللَّهَ: وصفُه بما لا يليق به جلّ وعلا كقول اليهود: (يد الله مغلولة)، و(عزير بن الله)، وقول النصارى: المسيح ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة، وقول كفار قريش: الملائكة بنات الله، وسائر ما لا يرضي الله عز وجلّ من الكفر والعصيان.
وإيذاء الرسول كقولهم عنه بمجنون، شاعر، ساحر، كذّاب، أو إلحاق الأذى به كشجّ وجهه الشريف وكسر رباعيته في أُحد، وأمثال ذلك من الأذى الحسي أو الأدى المعنوي، الذي كان يحلقه به المنافقون والكفار.
{لَعَنَهُمُ الله}: اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجلّ، قال تعالى: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61].
{بُهْتَاناً}: البهتان: الافتراء والكذب الواضح، وهو من البهت بمعنى التحيّر.
قال في اللسان: بهت الرجل يبهتُه بهتاناً، وباهته: استقبله بأمرٍ يقذفه به وهو منه برئ، والبهتان: الباطل الذي يتحير من بطلانه.
{مُّبِيناً}: بيناً ظاهراً لأنه واضح الكذب والبهتان، تقول: بان الشيء، وبان الأمر، وبان الحق، إذا ظهر جلياً واتضح، قال الشاعر:
فبان للعقل أن العلم سيِّدُه *** فقبَّل العقل رأس العلم وانصرفا
وتسمّى البيّنة لأنها تكشف الحق وتظهره.
المعنى الإجمالي:
يخبر المولى جلّ وعلا بما ناله الرسول الكريم، من جاهٍ عظيم، ومنزلة سامية، ومكانة رفيعة عند الله اتعالى، وما له من السيادة والمقام المحمود في الملأ الأعلى، وما خصّه الله تعالى به من الثناء العاطر، والذكر الحسن، فيقول الله تعالى ما معناه ( إن الله تعالى يرحم نبيه، ويعظم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته البرار، وجنده الأطهار، يدعون للنبي عليه السلام ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يبارك ويمجّد عبده ونبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم، ويُنيله أعلى المراتب، ويُظْهر دينه على جميع الأديان، ويُجْزل له الأجر والثواب، على ما قدّم لأمته من خير عميم، وفضل جسيم... في أيها المؤمنون: صلّوا أنتم عليه، وعظّموا أمره، واتبعوا شرعه، وأكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، ومهما فعلتم فلن تؤدوه حقه، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، وبه أخرجكم الله من الظلمات إلى النور {هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 9] فقولوا كلما ذكر اسمه الشريف: اللهم صل على محمد وسلّم تسليماً كثيراً، وادعوا الله أن يجزيه عنكم خير الجزاء.
ثمّ أخبر تعالى أن الذين يؤذون الله ورسوله قد استحقوا غضب الله ولعنته عليهم في دنياهم وآخرتهم، وأنّ الله أعدّ لهم عذاباً شديداً لا يُدْرك كنهه ولا يُعْرف هوله، وكذلك الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات، فنسبوا إليهم ما لم يفعلوه، واتهموهم بالكذب، والزور، والبهتان، وتقوّلوا على ألسنتهم، ما لم يقولوه، هؤلاء الذين فعلوا ذلك لهم أيضاً عذاب أليم في الدنيا والآخرة جزاء ما اقترفوا من سيِّئ الأعمال).
وجه الارتباط بالآيات الكريمة السابقة:
في الآيات الكريمة السابقة كان الحديث عن حرمة دخول بيوت النبي. وعن حرمة نكاح أزواجه الطاهرات، وقد بيّن تعالى فيها أن شأن المؤمنين ألا تكون منهم أذية للرسول عليه الصلاة والسلام، لما له عليهم من حق عظيم، وفي هذا توجيه وإرشاد إلى تكريمه صلى الله عليه وسلم وحياطة لمقامه الشريف وهنا بيّن تعالى أن الله يكرّم نبيّه ويرحمه ويعلى شأنه، وملائكتُه كذلك، فكيف لايكرّمه المؤمنون مع أن الله يصلّي عليه؟ وهو لا يستحق إلا كلّ تكريم وتمجيد، فكأنه قيل لهم: لا ينبغي لكم أن تؤذوه، فإن الله يصلّي عليه وملائكته، فهذا وجه الارتباط والله تعالى أعلم.
وجوه القراءات:
قرأ الجمهور: {إنّ اللَّهَ وملائكتُه} بالرفع ويكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ الله يصلي، وملائكته يصلّون.
وجوه الإعراب:
1- قوله تعالى: {يُصَلُّونَ عَلَى النبي} الجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).
2- قوله تعالى: {وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (سلّموا) أمر، و(تسليماً) مفعول مطلق منصوب.
3- قوله تعالى: {إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ} اسم الموصول اسم (إنّ) والخبر جملة: {لَعَنَهُمُ الله}.
لطائف التفسير:
اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ}.
ورد ذكر الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة، فجاء الخبر مؤكداً ب (إنّ) اهتماماً به، وجيء بالجملة اسمية لإفادة الدوام، وكانت الجملة إسمية في صدرها، {إِنَّ الله} فعليه في عجزها {يُصَلُّونَ} للإشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى، والتمجيد الدائم يتجدّد وقتاً فوقتاً على الدوام، فتدبّر هذا السرّ الدقيق.
اللطيفة الثانية: قد يقول قائل: إذا صلّى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا عليه؟
نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلاّ فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه عليه السلام ليثيبنا الله تعالى عليه، ولهذا قال عليه السلام: «من صلّى عليّ مرة صلّى الله عليه بها عشراً» فصلوات ربي وسلامه عليه.
اللطيفة الثالثة: قال الإمام الفخر: الصلاة الدعاء، يقال في اللغة صلّى عليه: أي دعا له، وهذا المعنى غير معقول في حقّ الله تعالى، فإنه لا يدعو له، لأنّ الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث، والجوابُ: أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معاً، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ جائز وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، فالصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، وهما يشتركان في العناية بحال المرحوم، والمستغفر له، والمراد هو القدر المشترك.
اللطيفة الرابعة: أمرنا الله بالصلاة على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان يكفي أن نقول صلينا عليه أو يقول الإنسان: أصلي عليه، فلماذا نقول عند الصلاة عليه: اللهم صلِّ على محمد؟
والجواب: أنَّ الله لما أمرنا بالصلاة عليه، ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك، أحلناه على الله تعالى، وقلنا: اللهم صلّ أنت على محمد، لأنك أعلم بما يليق به، فنحن عاجزون عن توفيته حقه، وقاصرون عن معرفة الثناء الذي يليق بقدره، وقد أوْكّلْنا الأمر إليك. فتدبر سرّ هذه الجملة (اللهم صل على محمد) فإنه نفيس ودقيق.
اللطيفة الخامسة: قال بعض العلماء: معنى قولنا: اللهم صل على محمد أي عظِّمْه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وإعطائه المقام المحمود.
فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
1- عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقلنا إنّا لنرى البشرى في وجهك!! فقال: «إنه أتاني الملك فقال يا محمد: إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصل عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلّم عليك أحد إلا سلّمت عليه عشراً؟...».
- وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة».
- وقال صلى الله عليه وسلم: «البخيل الذي من ذكرتُ عنده فلم يصلّ عليّ».
اللهمّ اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك، على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، إنك سميع مجيب الدعاء.
الأحكام الشرعية:
الحكم الأول: ما هي صيغة الصلاة والتسليم على النبي عليه السلام؟
صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردت فيها طرق كثيرة من السنة النبوية المطهَّرة، وقد ذكرت فيها صور مختلفة عن كيفية الصلاة عليه من المؤمنين، واختلافُها يشعر بأن الغرض ليس تحديد (كيفية خاصة) وإنما هي ألوان من التعظيم والثناء له عليه السلام، وسنقتصر على بعض ما صحّ من هذه الكيفيات، لأنّ استيعابها يطول، فنقول ومن الله نستمد العون:
أولاً: روى الشيخان عن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله: أمّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال قل: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد».
ثانياً: وروى مالك وأحمد والشيخان عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: «اللهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد».
ثالثاً: وأخرج الجماعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس (سعد بن عُبادة) فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال قولوا: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم».
وفي بعض رواياته: «اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد».
وهناك روايات أخرى دون هذه في الصحة وتخالفها بالزيادة والنقص في مواضع كثيرة.
وما دام المراد تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فأي عبارة تكون واردة من طريق صحيح كان لك أن تأخذ بها.
وأما التسليم فصيغته معروفة وهي أن يقول المؤمنون: السلام عليك يا رسول الله.
وفي التشهد يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ومعنى التسليم: الدعاء بالسلامة من جميع البلايا والآفات والأسقام، وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم: الانقياد وعدم المخالفة أي سلّموا لما يأمركم به والله أعلم.
الحكم الثاني: ما معنى صلاة الله والملائكة على النبي عليه السلام؟
تقدّم معنا أن الصلاة في اللغة تأتي بمعنى (الدعاء) وتأتي بمعنى (الرحمة) وتأتي بمعنى (التمجيد والثناء) ومن الأخير قوله تعالى: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157].
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة من الله تعالى على نبيه معناها تمجيده والثناء عليه وإلى هذا ذهب البخاري وطائفة من العلماء وهو أظهر.
وقال آخرون: المراد بالصلاة على النبي رحمته ومغفرته إلى هذا ذهب الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقيل: المراد بها البركة والكرامة.
وأما صلاة الملائكة فمعناها: الدعاء له عليه السلام والاستغفار لأمته، وعلى جميع الأقوال فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.
ولما جاء اللفظ مجموعاً مضافاً إلى واو الجماعة {إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي} وكانت الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة لذلك فقد اختلف المفسّرون في تأويل الآية على أقوال:
أ- فذهب بعضهم إلى أنّ في الآية حذفاً دلّ عليه السياق تقديره: إن الله يصلي على النبي، وملائكته يصلون على النبي، فتكون واو الجماعة راجعة إلى الملائكة خاصة ويؤيد هذا قراءة الرفع (وملائكتُه) وليس اللفظ مشتركاً بين الله تعالى وملائكته.
ب- وذهب بعضهم إلى أنه من باب (الجمع بين الحقيقة والمجاز) وهو اختيار الفخر الرازي ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله، فعنهد يجوز استمال اللفظ المشترك في معنييه معاً كما يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، فيكون لفظ (يُصلُّون) عائداً إلى الله وإلى الملائكة بالمعنيين معاً ويصبح معنى الآية: (إن الله تعالى يرحم نبيّه وملائكته يدعون له).
ج- وذهب جماعة إلى القول بأنه من باب (عموم المجاز) لا من باب (الجمع بين الحقيقة والمجاز) فيقدِّرون معنى مجازياً عاماً، ينتظم أفراداً كثيرة يشملها هذا اللفظ، وهذا المعنى العام هو مثلاً (العناية بشأن النبي صلى الله عليه وسلم) فالاعتناء يكون من الله تعالى على وجه، ويكون من الملائكة على وجه آخر، وهذا اختيار أبي السعود وأبي حيان والزمخشري، وغيرهم من مشاهير المفسرين.
قال أبو السعود: قوله تعالى: {يُصَلُّونَ عَلَى النبي} قيل: الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وقال ابن عباس: أراد أن الله يرحمه، والملائكة يدعون له.. فينبغي أن يراد في {يُصَلُّونَ} معنى مجازي عام، يكون كل واحد من المعاني المذكورة فرداً حقيقاً له، أي يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، وذلك من الله سبحانه بالرحمة، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار.
وقال أبو حيان في (البحر المحيط): وصلاة الله غير صلاة الملائكة فكيف اشتركا؟ والجواب: اشتركا في قدّرٍ مشترك وهو إرادة وصول الخير إليهم، فالله تعالى يريد برحمته إياهم وصول الخير إليهم، والملائكة يريدون بالاستغفار ذلك.
الحكم الثالث: هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الندب أو الفرض؟
أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة على نبيه الكريم، وهذا لأمر للوجوب فتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل لقد حكى (القرطبي) الإجماع على ذلك، عملاً بما يقتضيه الأمر (صلّوا) من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك كالتلفظ بكلمة التوحيد، حيث لا يصح إسلام الإنسان إلا بالنطق بها.
وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبه، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل لقد حكى (القرطبي) الإجماع على ذلك، عملاً بما يقتضيه الأمر (صلّوا) من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك كالتلفظ بكلمة التوحيد، حيث لا يصح إسلام الإنسان إلا بالنطق بها.
وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل تجب في كل مجلس، وكلما ذكر اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم؟ أم هي مندوبة؟ وذلك بعد اتفاقهم على أنها واجبة في العمر مرة.
أ- فقال بعضهم: إنها واجبة كلَّما ذُكر اسم النبي عليه السلام.
ب- وقال آخرون: تجب في المجلس مرة واحدة ولو تكرَّر ذكره عليه السلام في ذلك المجلس مرات.
ج- وقال آخرون: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد أو مجلس، ولا يكفي أن يكون في العمر مرة.
وحجة القائلين بالوجوب في المجلس، أو كلما ذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام، أن الله عز وجلّ أمر بها، والأمر يفيد التكرار، ثمّ ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يصلّ على رسول الله عليه السلام، كقوله: «البخيل الذي من ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ» رواه الترمذي. وقوله عليه السلام: «ما من قوم يجلسون في مجلسٍ ثم يقومون منه لا يذكرون الله ولا يصلُّون على نبيه إلاّ كان تِرَةً عليهم يوم القيامة».
وقول جبريل للنبي عليه السلام: «بَعُدَ من ذكرتَ عنده فلم يصلّ عليك، فقلت آمين». فهذه تفيد الوجوب عندهم.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قربة وعبادة، كالذكر والتسبيح والتحميد، وأنها واجبة في العمر مرة، ومندوبة ومسنونة في كل وقت وحين، وأنه ينبغي الإكثار منها لما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً» وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الشهيرة في فضل الصلاة على النبي عليه السلام، فهي مطلوبة ولكن لا على سبيل (الوجوب) بل على سبيل (الندب) والاستحباب.
قال العلامة أبو السعود: والذي يقتضيه الاحتياط، ويستدعيه معرفة علو شأنه عليه الصلاة والسلام، أن يصلي عليه كلما جرى ذكره الرفيع.
وما ذهب إليه الجمهور هو الصح والأرجح والله تعالى أعلم.
الحكم الرابع: هل تجب الصلاة على النبي عليه السلام في الصلاة؟
اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على مذهبين:
أ- مذهب الشافعي وأحمد: أنها واجبة في الصلاة ولا تصح الصلاة بدونها.
ب- مذهب مالك وأبي حنيفة: أنها سنّة مؤكدة في الصلاة وتصح الصلاة بدونها مع الكراهة والإساءة.
أدلة الشافعية والحنابلة:
استدل الشافعية والحنابلة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الصلاة بأدلة نوجزها فيما يلي:
أ- الأمر الوارد في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} والأمر يقتضي الوجوب، ولا وجوب في غير التشهد، فتكون الصلاة على النبي واجبة في الصلاة.
ب- حديث كعب بن عجرة: (قلنا يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...) الحديث وقد تقدم.
قال ابن كثير رحمه الله: ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصحّ صلاته، وهو ظاهر الآية، ومفسّر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب الإمام أحمد، وإليه ذهب ابن مسعود وجابر بن عبد الله.
أدلة المالكية والأحناف:
واستدل المالكية والأحناف على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} قالوا: قد تضمنت هذه الآية الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدّى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه، والأمر يقتضي الوجوب لا التكرار.
ب- حديث ابن مسعود حين علّمه صلى الله عليه وسلم التشهد فقال: «إذا فعلتَ هذا، أو قلتَ هذا، فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت» ولم يأمره بالصلاة على النبي عليه السلام.
ج- حديث معاوية السلمي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
د- ما روي عن كثير من الصحابة أنهم كانوا يكتفون بالتشهد في الصلاة وهو (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ولا يوجبون الصلوات الإبراهيمية.
قال أبو بكر الرازي: وزعم الشافعي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض في الصلاة، وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل العلم- فبما نعلمه- وهو خلاف الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لفرضها في الصلاة....
ثم ساق بعض الأدلة في تفسيره (أحكام القرآن)- وقد ذكرنا بعضها- ثم قال: وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في (شرح مختصر الطحاوي).
الحكم الخامس: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟
يرى بعض العلماء أن الصلاة تجوز على غير الأنبياء، لأن الصلاة معناها الدعاء، والدعاء يجوز للأنبياء ولغير الأنبياء، واستدلوا بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى».
وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة (شعار) وهي خاصة بالأنبياء، فلا تجوز لغيرهم فلا يصح أن تقول: اللهم صلّ على الشافعي مثلاً أو على أبي حنيفة، وإنما تترحم عليهما، ويجوز الترضي عن الصحابة والتابعين ولا تجوز الصلاة عليهم لأنها شعار الأنبياء والمرسلين.
قال العلامة أبو السعود: وأمّا الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتجوز تبعاً، وتكره استقلالاً، لأنه في العرف شعار ذكر الرسل، ولذلك لا يجوز أن يقال: (محمدٌ عزَّ وجل) مع كونه صلى الله عليه وسلم عزيزاً جليلاً.
والمراد بقوله تبعاً أن تقول مثلاً: اللهم صلّ على محمد وآله وذريته وأتباعه المؤمنين، فلا يصح أن تقول: اللهم صل على ذرية محمد، ولا اللهم صلّ على أزواج محمد، وإنما إذا صليت على الرسول يجوز لك أن تضيف تبعاً من شئت من عباد الله الصالحين، والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة:
1- منصب النبوة منصب عظيم، ومكانة الرسول مكانة عظيمة عند الله تعالى.
2- ثناء الله عز وجل على نبيه الكريم وثناء الملائكة الأطهار مظهر من مظاهر رفعه الرسالة.
3- احترام الرسول وتعظيم أمره واجب على المؤمنين لأنه من تعظيم أمر الله وطاعته جلّ وعلا.
4- الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون بالصيغة الشرعية (اللهم صلي على محمد) الخ.
5- يندب للمسلم أن يصلي على الرسول كلما ذكر اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم امتثالاً للأمر الإلهي.
6- إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم إيذاء لله تعالى وهو سبب لسخط الله وغضبه.
7- إيذاء المؤمنين واتهامهم بما ليس فيهم من الكبائر التي ينبغي أن يبتعد عنها المسلم.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع:
مجّد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليه الثناء العاطر، ورفع مكانته على جميع الأنبياء والمرسلين، وأحله المحل الرفيع الذي يليق بمنزلته السامية، ومرتبته العالية، وأمر المؤمنين بالتأدب مع الرسول الكريم، وبتعظيم أمره، وتمجيد شأنه، وصلى عليه في الملأ الأعلى مع الملائكة الأطهار، وكل ذلك ليعلّم المؤمنين مكانة هذا النبي العظيم، ليجلّوه ويحترموه، ويطيعوا أمره لأنه سبب سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة {لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9].
وقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالصلاة على الرسول الكريم، وجعل ذلك فرضاً لازماً لا يتم إيمان بدونه، وحرّم إيذاءه بالقول أو الفعل، ونهى عن كل ما يمسّ مقامه الشريف من إساءة أو عدوان، وجعل ذلك إيذاء له تعالى، لأنّ في تكذيبه صلى الله عليه وسلم تكذيباً لله تعالى، وفي الاستهزاء بدعوته استهزاءً بالله تعالى، لأنه رسول رب العالمين. فيجب أن يُطاع في كل أمر، أن يحترم قوله لأنه مبلّغ عن الله وصدق الله حيث يقول: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: 80].
وقد حكم الله جلّ وعلا باللعنة والغضب على من آذى الرسول عليه السلام، لأنه كفرانٌ للنعمة، وجحودٌ للفضل الذي أسداه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، وكيف يليق بالمؤمن أن يؤذي رسول الله مع أنه صلوات الله عليه سبب لإنقاذنا من الضلالة، وإخراجنا من الظلمات إلى النور؟! وهو باب الرحمة الإلهية، ومظهر الفضل والإحسان والجود: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والطيبين الطاهرين.
وصدق من قال:
إذا الله أثنى بالذي هو أهلُه *** عليه، فما مقدارُ ما تمدح الورى

1 | 2 | 3